في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات، ويعلو فيه صوت المادّة على صوت القيم، ما زال هناك أثرٌ طيبٌ يمشي على الأرض… لا يُحدث ضجيجًا، ولا يطلب تصفيقًا، لكنه يترك خلفه دفئًا لا يُنسى، وأملًا لا يموت
إنه أثر العمل الخيري، ذلك الفعل الإنساني النبيل الذي لا يُقاس بحجمه، بل بصدقه، ولا يُعرف بكثرة كلماته، بل بعمق أثره في القلوب قبل البيوت
العمل الخيري ليس مجرّد مساعدة عابرة، ولا تبرعًا موسميًا، ولا حملة تنتهي بانتهاء الصور. هو روحٌ تُمنَح، ويدٌ تُمدّ، وقلبٌ يختار أن يشعر بوجع الآخرين وكأنه وجعه الشخصي. هو أن ترى في الإنسان إنسانًا قبل أن ترى حاجته، وأن تؤمن أن الخير ليس فضلًا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية
الجمعيات الخيرية… حين تتحوّل الفكرة إلى رسالة
في كل حيّ، وفي كل مدينة، وربما في أماكن لا يصلها الضوء، تقف الجمعيات الخيرية كجسورٍ بين الألم والأمل. هي مؤسسات وُلدت من رحم الحاجة، لكنّها كبرت بفضل الإيمان العميق بأن الإنسان لا يُترك وحيدًا في ضعفه.
هذه الجمعيات لا تملك عصًا سحرية، ولا موارد لا تنضب، لكنها تملك ما هو أثمن: النية الصادقة
تعمل في صمت، تتعب دون أن تشتكي، وتُعطي دون أن تُحصي. تسعى لتأمين لقمة، ودفء، ودواء، وتعليم، وكرامة… نعم، الكرامة، لأن أعظم ما يقدّمه العمل الخيري ليس المساعدة بحد ذاتها، بل حفظ إنسانية المحتاج
كم من جمعية وقفت إلى جانب أسرة في أقسى لحظاتها، وكم من يدٍ امتدت لتربّت على كتف طفلٍ فقد الأمان، وكم من مبادرة أعادت الأمل لشابٍ كان على وشك الاستسلام. تلك الجمعيات لا تُغيّر العالم كلّه، لكنها تُغيّر عالَم إنسانٍ واحد… وذلك كافٍ ليكون للخير معنى

المتطوّعون… قلوب تمشي قبل الأقدام
ولو بحثنا عن سرّ هذا الأثر الطيب، فلن نجده في الأوراق ولا في الميزانيات، بل في المتطوّعين. أولئك الذين يهبون وقتهم، جهدهم، وأحيانًا راحتهم، من أجل أن يبتسم شخص لا يعرفهم
المتطوّع ليس شخصًا يملك فائض وقت، بل إنسان يملك فائض قلب
يخرج من بيته وهو يعلم أن التعب ينتظره، لكنه يعلم أيضًا أن هناك من ينتظر الخير. يحمل الصناديق، ينظّم الحملات، يطرق الأبواب، يستمع للحكايات المؤلمة، ويعود في آخر اليوم متعب الجسد… لكنه ممتلئ الروح ولولا صفاء وبياض قلوبهم لما كانوا هناك اصلا
لولا نقاء نواياهم، لما احتملوا مشاهد الفقر، ولا وجوه الألم، ولا دموع العجز. هم لا يبحثون عن شهرة، ولا عن مقابل، ولا عن كلمة شكر. يكفيهم أن يشعروا أنهم كانوا سببًا في تخفيف وجع، أو رسم ابتسامة، أو إنقاذ كرامة

الخير حين يصبح أسلوب حياة
الخير، حين يصبح أسلوب حياة، لا يعود فعلًا موسميًا ولا ردّ فعلٍ مؤقتًا، بل يتحوّل إلى طريقة نظر، وإلى نبضٍ ثابت يسكن القلب ويقود السلوك. يصبح الخير خيارًا يوميًا، وقرارًا داخليًا يتجدّد مع كل صباح، لا يحتاج إلى مناسبة، ولا ينتظر ظرفًا، ولا يرتبط بقدرة مادية بقدر ما يرتبط بصفاء الروح
حين يصبح الخير أسلوب حياة، يتعلّم الإنسان أن يرى العالم بعينٍ أكثر رحمة، وأن يفهم أن خلف كل وجه حكاية، وخلف كل صمت وجعًا، وخلف كل ابتسامة ربما معركة خاضها صاحبها وحده. في هذه المرحلة، لا يعود الإنسان عابرًا في حياة الآخرين، بل يصبح أثرًا، حضورًا خفيفًا لكنه عميق، يترك في القلوب شيئًا يشبه الطمأنينة
الخير كأسلوب حياة يعني أن نختار اللين حين تكون القسوة أسهل، وأن نمدّ اليد حين يكون التجاهل أكثر راحة، وأن نصغي حين يفضّل كثيرون الصمت. يعني أن نؤمن بأن الكلمة الطيبة صدقة، وأن النظرة المتفهمة عطاء، وأن الوقت الذي نمنحه للآخرين جزء من إنسانيتنا لا يقل قيمة عن المال أو الجهد
حين يتجذّر الخير فينا، لا نسأل كثيرًا: ماذا سأستفيد؟
بل نسأل: ماذا يمكنني أن أُخفف؟
نخفف وجعًا، أو همًّا، أو خوفًا، أو وحدة. نخفف ثِقل الحياة عن قلبٍ أنهكه الانتظار. وهذا بحد ذاته إنجاز إنساني عظيم، حتى لو لم يره أحد، وحتى لو لم يُكتب عنه حرف
الخير حين يصبح أسلوب حياة، يغيّرنا قبل أن يغيّر غيرنا. يجعلنا أكثر تواضعًا، لأننا نكتشف كم نحن متشابهون في ضعفنا. يجعلنا أكثر صبرًا، لأننا نرى أن لكل إنسان توقيته الخاص في النهوض. ويجعلنا أكثر وعيًا بأن العطاء ليس فضلًا، بل شراكة في الإنسانية
ليس مطلوبًا أن نكون مثاليين لنفعل الخير، ولا أن نملك الكثير، ولا أن نغيّر العالم دفعة واحدة. يكفي أن نكون صادقين في نيتنا، حاضرين بقلوبنا، وأن نفعل ما نستطيع حيث نحن، بما نملك. فالخير لا يقاس بحجمه، بل باستمراره، ولا يُقاس بضجيجه، بل بعمقه
وحين يصبح الخير أسلوب حياة، يصبح العطاء عادة، والرحمة ردّ فعل طبيعي، والتعاطف لغة نفهم بها العالم. نصبح أكثر قدرة على الفهم بدل الحكم، وعلى الاحتواء بدل الإقصاء، وعلى البناء بدل الهدم. نصبح أشبه بملجأ صغير لكل من ضاقت به الدنيا
الخير كأسلوب حياة هو أن نؤمن أن إنسانًا واحدًا يمكنه أن يُحدث فرقًا، وأن فعلاً بسيطًا قد ينقذ يومًا كاملًا، وربما حياة كاملة. هو أن نُدرك أن ما نزرعه في قلوب الآخرين، سنحصده يومًا في أرواحنا، بشكلٍ أو بآخر، وفي وقتٍ لا نتوقعه
وهكذا، لا يعود الخير مجرد فعل نقوم به، بل يصبح هو ما نكونه. يصبح هويتنا الصامتة، وأثرنا الخفيف، وبصمتنا التي تبقى حتى بعد أن نغادر. وحينها فقط نفهم أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه… ليس ما امتلكه، بل ما منحه، ولا ما قاله، بل ما فعله بحب
فالخير، حين يصبح أسلوب حياة، لا ينتهي أبدًا
بل يظل يمشي بين الناس، من قلبٍ إلى قلب، ومن روحٍ إلى روح

لماذا نحتاج العمل الخيري اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى؟
لأن العالم لم يعد كما كان، ولأن الأعباء التي يحملها الإنسان اليوم أصبحت أثقل من قدرته على الاحتمال، ولأن المسافات بين القلوب اتّسعت في زمنٍ كان من المفترض أن يُقرّب الناس من بعضهم. نحتاج العمل الخيري اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن الألم لم يعد استثناءً، بل واقعًا يوميًا يعيشه كثيرون في صمت، خلف أبواب مغلقة، وابتسامات مُجهَدة، وقلوب أنهكها الانتظار
نحتاجه لأن الفقر لم يعد فقط نقصًا في المال، بل أصبح نقصًا في الأمان، وفي الشعور بالاحتواء، وفي الإحساس بأن هناك من يهتم. هناك من لا يحتاج لقمة فقط، بل يحتاج من يسمعه، ومن يقول له: أنت لست وحدك. والعمل الخيري، في جوهره، هو هذا الصوت الإنساني الذي يصل حين يعجز العالم عن الإنصات
نحتاج العمل الخيري لأن التحولات السريعة في الحياة تركت خلفها فئاتٍ هشّة: أطفالًا حُرموا من طفولتهم، وشبابًا تاهت أحلامهم بين البطالة والقلق، وكبار سنّ يواجهون الشيخوخة بلا سند، وأسرًا تحارب كل يوم من أجل البقاء بكرامة. في هذا المشهد المعقّد، لا يكفي أن نشاهد، ولا يكفي أن نتعاطف من بعيد؛ لا بد من فعلٍ يُجسّد هذا التعاطف
نحتاجه لأن الضغوط الاقتصادية، والتغيّرات الاجتماعية، والأزمات المتلاحقة جعلت الكثير من الناس أقرب إلى الانكسار من أي وقت مضى. ومع كل أزمة، تتقلّص المساحات الآمنة، وتزداد الحاجة إلى من يمدّ يد العون لا بوصفه مُنقذًا، بل شريكًا في الإنسانية.
العمل الخيري لا يأتي ليحلّ كل المشاكل، لكنه يأتي ليمنع اليأس من أن يصبح سيّد الموقف

نحتاج العمل الخيري لأن القيم، حين لا تُمارس، تبهت. والرحمة، حين لا تُترجم إلى فعل، تصبح فكرة مجرّدة. العمل الخيري هو الامتحان الحقيقي لكل ما نؤمن به من أخلاق ومبادئ. هو اللحظة التي نختبر فيها إنسانيتنا، ونقرّر إن كانت ستبقى حية أم ستذوب في زحام المصالح والانشغالات
نحتاجه لأن المجتمع لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل بالتكافل. لا تُحفظ كرامة الإنسان بالنوايا الحسنة فقط، بل بالفعل الملموس. والجمعيات الخيرية، ومعها المتطوعون، يشكّلون صمّام أمان اجتماعي، يملأ الفراغات التي تعجز عنها الأنظمة، ويصل إلى الأماكن التي لا تصلها المؤسسات الكبرى
نحتاج العمل الخيري لأن فيه شفاءً للمعطي كما للآخذ. فالذي يعطي لا يخرج فارغًا، بل ممتلئًا بشعورٍ عميق بالمعنى. العطاء يعيد ترتيب أولوياتنا، ويذكّرنا بما هو مهم حقًا، ويخفف من قسوة العالم داخلنا قبل أن يخففها خارجه. في العطاء، نتعلّم التواضع، ونفهم أن القوة الحقيقية ليست في الامتلاك، بل في القدرة على المشاركة
نحتاجه لأن الإنسان، في عمقه، لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش بالمعنى. والعمل الخيري يمنح الحياة هذا المعنى، حين يجعلنا جزءًا من قصة أكبر من ذواتنا. قصة عنوانها الرحمة، وفصولها تُكتب كل يوم بأيدٍ لا تبحث عن شهرة، وقلوبٍ لا تعرف الأنانية
نحتاج العمل الخيري اليوم لأن المستقبل، إن أردناه أكثر إنسانية، يجب أن نزرع بذوره الآن. الأطفال الذين يرون الخير اليوم، سيكبرون وهم يؤمنون به غدًا.
والمجتمعات التي تتكافل اليوم، ستكون أكثر تماسكًا وأقل هشاشة في مواجهة الأزمات القادمة
لهذا كلّه، نحتاج العمل الخيري اليوم أكثر من أي وقت مضى. لا لأنه واجب فقط، بل لأنه ضرورة وجودية. ضرورة تحفظ للإنسان إنسانيته، وللمجتمع توازنه، وللعالم بعضًا من نوره الذي كاد أن ينطفئ
فالخير، حين يُمارَس، لا ينقذ الآخرين فحسب… بل ينقذنا جميعًا

وفي آخر السطر، حين نُغلق الصفحة ولا نُغلق القلب، ندرك أن الحياة ما زالت تستحق أن تُعاش، ما دام فينا متّسع للعطاء، وما دام في الأرض من يؤمن أن الخير طريق لا ينتهي، وأن الأمل لا يموت طالما هناك من يزرع بسمة أو يخفف وجعًا. فالأمل الحقيقي لا يولد من الضجيج أو الكلمات الفارغة، بل من الأفعال الصادقة التي تُزرع في صمت، وتنمو في القلوب دون أن نراها، مثل بذور خفية تحت التراب، تنتظر وقتها لتزهر
كل روح تختار أن تكون نورًا في الظلام تضيف للعالم نبضًا جديدًا، وتثبت أن الحياة، مهما أثقلها الألم، لا تزال قادرة على أن تزهر وتغني، وأن تملأ القلوب بالدفء. كل يد ممتدة نحو محتاج، وكل ابتسامة صادقة تُقدّم بلا مقابل، هي رسالة تقول: “الخير حيّ، والإنسانية ما زالت موجودة”. وكل لحظة تضيع فيها الرحمة، يُخلق فيها شخص آخر يختار العطاء، ليُعيد التوازن، وليُذكّرنا بأن الإنسانية لا تزال حية في أصغر الأفعال
وهكذا يبقى الخير حيًّا، يمشي بيننا، ينتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن يدٍ إلى يد، ويخلق أملًا متجدّدًا في كل مكان. إنه الأثر الذي لا يزول، والقوة التي تجعلنا نستيقظ كل يوم ونحن نؤمن بأننا نستطيع أن نصنع فرقًا، ولو كان بسيطًا، في حياة أحدهم. فكل لحظة عطائنا هي نبض جديد للحياة، وكل شعور بالعطاء هو شعاع يضيء الطريق لمن حولنا، ليذكّرنا أن الإنسان خُلق ليمنح، وأن الأثر الطيب هو أعظم إرث يمكن أن نتركه خلفنا، وأجمل قصّة تُحكى عن روحٍ لم تستسلم، ولم تفقد الأمل أبدًا
من إعداد : رحاب الشاط

احسنت عبرتي على دور الجمعيات جيدا ونسيت انك عضوة في جمعية لمادا لم تتحدثي عن تجربتك فيها
شكرا على هذه المقالة اللتي تناولت فائدة العمل الجمعوي ودور الجمعيات اللتي نية صافية ،إذا هنا تمكنت من توضيح الفكرة وماهي غايتها وأهذافها ،كما رأيت أن بالنسبة لك يا كاتبة المقالة تعايشت مع المقالة ما خذته من تجربة جمعوية ،وهذا ما لمسته خلال تجربتك فنرجو أن تتركي إسم هذه الجمعية
If you Can you can dou