دار احصاد… حين يتحول “الإصلاح” إلى خيبة تبتلع الصبر

لم تكن حكاية “دار احصاد” مجرد قصة أضرار مطرية عابرة؛ إنها مرآة تعكس أزمة عميقة تتعلق بالإنصات، والمسؤولية، وقيمة الجهد المدني. هي حكاية سنوات من النضال خاضته جمعية محلية إلى جانب ساكنة أرهقها الغيص، وأنهكتها بنية تحتية آخذة في التآكل. كان نضالًا على مدارج الصبر، لم يتوقف يومًا، يرتفع صوته حيناً، ويختنق صمتاً أحياناً أخرى.

اليد الممدودة التي قوبلت بالاستخفاف

حين أُعلنت لحظة “الإصلاح”، تنفس الجميع الصعداء. لقد ظنوا أن فجر إنهاء المعاناة قد لاح. لكن الجمعية، بما تملكه من ذاكرة للمكان ومعرفة دقيقة بتفاصيله، لم تكتفِ بالانتظار. لقد سارعت بمد يدها إلى القسم التقني للجماعة. لم يكن هدفها المعارضة، بل كان حرصًا يمليه العيش المشترك: تقديم تعريف ميداني، التنبيه للإكراهات الحقيقية، ومحاولة استباق الكارثة. لكن المؤلم أن هذه اليد قوبلت ببرودة واستخفاف، وكأن التاريخ لا يسكن الأرض، وكأن الساكنة لا تعرف تفاصيل حيّها أكثر من الخرائط المكتبية.

لم تتوقف الجمعية. ومع تدخل السيد قائد ملحقة المصلى، تشكلت لجنة مشتركة ضمت الساكنة والمهندس المكلف بالأشغال والشركة المنفذة. لم تكن هذه اللجنة يتيمة، بل تلتها لجان تتبع دقيقة. فالجمعية، التي علمتها التجارب أن الصمت في أوقات التنفيذ هو الثمن الأغلى، لم تشأ أن تتخلى عن دورها الرقابي والإرشادي.

“لا وقت لذلك”: تكلفة القرار السهل

خلال هذه اللقاءات، طُرحت اقتراحات واضحة ومحددة، تعديلات بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت جوهرية لمستقبل الحي. كان الحل الأهم والأكثر بديهية: إنشاء مجارٍ لتصريف مياه الأمطار. هذا الإجراء الوقائي، الذي يكفله أبسط مبادئ التخطيط العمراني، قوبل بجواب بارد وصادم: “لا وقت لذلك”. هكذا، وبجرة رفض واحدة، أُسقط اقتراح كان كفيلًا بحماية الحي من مصيره الذي كان يلوح في الأفق.

لقد علقت في ذاكرة الساكنة جملة قيلت بثقة متناهية من المهندس المكلف بالأشغال: “جينا نهزو رجلكم من الغيص”. كانت عبارة تبعث على الأمل، لكن الحقيقة كانت تنتظر عند أول نقطة مطر.

الغيص يعود… والانتقام يتضاعف

لم تنتظر الحقيقة طويلًا لكي تفضح زيف “الإصلاح”. مع أولى التساقطات المطرية، عاد الغيص، لم يكن خجولاً هذه المرة، بل كان أكثر عنفًا وضراوة. إصلاحات أُنجزت، أرضية أعيد تهيئتها، ومال عام صُرف، لتكون المحصلة النهائية مأساوية: المشكل لم يُحل، بل تعمق وتفاقم.

تضاعفت الكلفة، ليس فقط بالمال العام الذي أُنفق بلا جدوى، بل بتضاعف معاناة الساكنة وصبرها الذي نَفَد. والمفارقة المؤلمة هي أن الفكرة التي أُسقطت في البداية – فكرة إنشاء مجارٍ لتصريف مياه الأمطار – تُطرح من جديد اليوم، بعد أن أُغلقت الأرضية، وبعد أن دفع الجميع ثمن “الاستعجال” و”اللا وقت”.

دار احصاد ليست مجرد دراسة حالة لفشل تقني، بل هي صرخة إنسانية ضد غياب الإصغاء، وتهميش الفاعل الجمعوي الذي يمثل صوت الأرض، والإصرار على الحلول السهلة التي تبدو سريعة في التنفيذ لكن عواقبها ثقيلة على كاهل الإنسان والمكان.

إنها قصة ما زالت فصولها مفتوحة، تسأل السؤال الأكبر الذي لا يجد إجابة: مَن يحاسب مَن؟

تعليق واحد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *