في ظل التحول الرقمي المتسارع، أصبحت الشاشات جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، سواء في العمل، الدراسة، أو الترفيه. هذا الاستخدام المطول والمكثف للأجهزة الرقمية أدى إلى ظهور تحدٍ صحي واسع الانتشار يُعرف بـ الإجهاد الرقمي للعين (Digital Eye Strain – DES) أو متلازمة الرؤية الحاسوبية (Computer Vision Syndrome – CVS) . لحسن الحظ، يمكن التغلب على هذا التحدي من خلال تبني مجموعة من الممارسات المنهجية والحلول التكنولوجية.

ما هو الإجهاد الرقمي للعين؟
يُعرّف الإجهاد الرقمي للعين بأنه مجموعة من مشاكل العين والرؤية المتعلقة بالاستخدام المطول للحاسوب والأجهزة الرقمية . وتتراوح أعراضه بين الانزعاج الخفيف والمشاكل التي تؤثر على الإنتاجية وجودة الحياة، وتشمل:
•جفاف وتهيج العين: نتيجة انخفاض معدل الرمش أثناء التركيز.
•عدم وضوح الرؤية: خاصة عند التبديل بين النظر إلى الشاشة والأشياء البعيدة.
•الصداع وآلام الرقبة والكتفين: نتيجة وضعية الجلوس غير الصحيحة والتركيز المفرط.
تنشأ هذه المتلازمة بشكل أساسي من الحاجة إلى تركيز العين باستمرار على مسافة قريبة، والتعرض للوهج، والتباين المنخفض بين النص والخلفية، بالإضافة إلى التعرض للضوء الأزرق .

استراتيجيات الحماية السلوكية: قاعدة 20-20-20
تُعد التغييرات السلوكية هي الخطوة الأولى والأكثر فعالية للوقاية من الإجهاد الرقمي. وتأتي قاعدة 20-20-20 في مقدمة التوصيات الطبية الحديثة :
قاعدة 20-20-20: كل 20 دقيقة تقضيها أمام الشاشة، خذ استراحة لمدة 20 ثانية، وانظر إلى شيء يبعد عنك 20 قدماً (حوالي 6 أمتار).
تساعد هذه الاستراحة القصيرة على إرخاء عضلات العين التي تكون في حالة انقباض مستمر أثناء التركيز على الشاشة، مما يمنع التشنج ويقلل من الإجهاد.
الإجراء السلوكي الهدف التوصية الطبية تطبيق قاعدة 20-20-20 إراحة عضلات التركيز في العين. كل 20 دقيقة. الرمش الواعي ترطيب سطح العين ومنع الجفاف. الرمش بشكل كامل ومتكرر. استراحة أطول استرخاء عام للجسم والعينين. 15 دقيقة بعد كل ساعتين من العمل المتواصل.
تحسين بيئة العمل: بيئة مريحة لعينيك
لا يقتصر الأمر على ما تفعله عيناك، بل يشمل أيضاً البيئة التي تعمل فيها. يمكن لضبط بيئة العمل أن يقلل بشكل كبير من العوامل المسببة للإجهاد .
- ضبط الإضاءة والوهج
يجب أن تكون الإضاءة المحيطة في الغرفة مناسبة، حيث يُنصح بتجنب الإضاءة الساطعة المباشرة التي تسبب الوهج على الشاشة. يفضل استخدام إضاءة خافتة نسبياً أو مصابيح مكتبية قابلة للتعديل. كما يجب وضع الشاشة بحيث تكون النوافذ أو مصادر الضوء القوية على الجانب، وليس أمامك أو خلفك مباشرة . - الوضعية الصحيحة للشاشة
لتقليل إجهاد الرقبة والعين، يجب وضع الشاشة وفقاً للمعايير التالية:
•المسافة: على بعد ذراع واحد (حوالي 50 إلى 70 سم) من العينين.
•الارتفاع: يجب أن يكون الجزء العلوي من الشاشة في مستوى العين أو أقل قليلاً. هذا الوضع يشجع على النظر إلى الأسفل قليلاً، مما يقلل من مساحة سطح العين المعرضة للهواء، وبالتالي يقلل من الجفاف .

الحلول التكنولوجية والعناية الشخصية
بالإضافة إلى التغييرات السلوكية والبيئية، يمكن الاستعانة بالتقنية لتعزيز حماية العين، إلى جانب العناية الشخصية المستمرة.
- التحكم في إعدادات الشاشة
•السطوع والتباين: يجب موازنة سطوع الشاشة مع الإضاءة المحيطة. إذا كانت الشاشة تبدو كمصدر ضوء في الغرفة، فهي ساطعة جداً.
•الضوء الأزرق: أظهرت الدراسات الحديثة أن التعرض المفرط للضوء الأزرق، خاصة في المساء، يمكن أن يعطل إيقاع الساعة البيولوجية ويؤثر على جودة النوم . يُنصح باستخدام مرشحات الضوء الأزرق المدمجة في أنظمة التشغيل (مثل Night Shift أو Night Light) أو تطبيقات متخصصة مثل f.lux أو Twilight.
- الأدوات المساعدة
هناك العديد من التطبيقات والملحقات التي تساعد في تطبيق قاعدة 20-20-20 وتذكيرك بالاستراحات، مثل تطبيق EyeLeo أو ملحقات المتصفح المخصصة . كما أن استخدام نظارات مخصصة للكمبيوتر، التي قد يصفها طبيب العيون، يمكن أن يساعد في تقليل الوهج وتحسين التركيز على مسافة العمل . - العناية الشخصية والفحص الدوري
•الترطيب: في حالات جفاف العين، يمكن استخدام قطرات الدموع الاصطناعية (بعد استشارة الطبيب) لتعويض نقص الترطيب الناتج عن قلة الرمش.
•الفحص السنوي: يُعد إجراء فحص شامل للعين مرة واحدة سنوياً أمراً بالغ الأهمية. فغالباً ما يزيد الإجهاد الرقمي سوءاً بسبب مشاكل رؤية كامنة وغير مصححة .

خلاصة
إن حماية العينين من الإجهاد الرقمي ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على صحة البصر والإنتاجية في عالمنا المتصل. من خلال دمج قاعدة 20-20-20 في روتينك اليومي، وضبط بيئة عملك، والاستفادة من الحلول التكنولوجية، يمكنك ضمان راحة عينيك والاستمتاع بعصر الشاشات دون تضحية بصحة بصرك.

موفقة بإذن الله مشروع كاتبة متميزة