نعمة الصحة
الصحة ليست كلمة عابرة نرددها في الدعاء، ولا مفهومًا طبيًا محصورًا في نتائج التحاليل ونبض القلب وضغط الدم
الصحة هي الحياة في أنقى صورها، هي القدرة على الاستمرار، على النهوض، على الحلم، على الحب، وعلى مواجهة الأيام مهما اختلفت قسوتها
هي النعمة التي تسبق كل نعمة، والأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر، ومع ذلك كثيرًا ما نؤجل الاهتمام بها، وكأنها أمر مضمون لا يزول
نولد ونحن نمتلك الصحة دون وعي بقيمتها. نركض، نلعب، نضحك، نمرض ثم نُشفى بسهولة، فنعتقد أن الجسد لا يخذل، وأن العافية وعد أبدي. لكن مع مرور السنوات، تبدأ الحقيقة في الظهور: الصحة ليست دائمة، بل أمانة، وإن لم نرعَها تضعف، وإن لم نصغِ لنداءاتها تتعب، وإن لم نحترمها تطالبنا بثمنٍ قاسٍ

الصحة ليست فقط جسدًا سليمًا، بل هي توازن دقيق بين الجسد والعقل والنفس
قد يبدو الإنسان معافى من الخارج، لكنه يحمل في داخله إرهاقًا صامتًا، قلقًا متراكمًا، أو حزنًا لم يجد طريقه للخروج. وهنا ندرك أن الصحة لا تُقاس بالمظهر، بل بما نشعر به في أعماقنا. أن تكون صحيًا لا يعني أن تكون خاليًا من الألم تمامًا، بل أن تكون قادرًا على التعامل معه دون أن يكسرك
الجسد يتحدث دائمًا، لكننا غالبًا لا نستمع
التعب المتكرر رسالة، الأرق نداء، فقدان الشهية أو الإفراط فيها علامة، وحتى الصداع الصغير قد يكون ترجمة لضغط أكبر مما نحتمل. لكننا في زحمة الحياة نختار التجاهل، نُكمِل، نضغط على أنفسنا أكثر، ثم نتفاجأ عندما يعلن الجسد التوقف
الصحة لا تنهار فجأة، بل تضعف خطوة خطوة، ونحن من نغضّ الطرف
وفي عالمٍ يقدّس السرعة والإنجاز، أصبحت الراحة تُعتبر كسلًا، والاهتمام بالنفس يُنظر إليه كترف
نُطالَب أن نكون أقوياء دائمًا، منتجين دائمًا، متاحين دائمًا، فننسى أن الإنسان ليس آلة
القوة الحقيقية لا تعني الاستنزاف، بل تعني الحكمة في التوقف، في الاعتراف بالتعب، وفي طلب الراحة دون خجل
الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة، ومع ذلك هي الأكثر إهمالًا
نعلّم الناس كيف يعتنون بأجسادهم، لكننا ننسى أن نعلّمهم كيف يعتنون بقلوبهم
نربّي الأجيال على الصبر، لكن لا نعلّمهم التعبير. نطلب منهم التحمل، لكن لا نمنحهم مساحة للبوح
فتكبر المشاعر المكبوتة، وتتراكم الضغوط، ثم تظهر في شكل أمراض جسدية أو انهيارات نفسية مفاجئة
أن تعتني بصحتك النفسية يعني أن تعترف بمشاعرك دون إنكار، أن تسمح لنفسك بالحزن دون جلد ذات، وأن تمنح نفسك وقتًا للشفاء دون استعجال
يعني أن تختار السلام بدل الصراع الدائم، وأن تضع حدودًا تحميك، حتى لو لم يفهمها الآخرون
فليس كل من ابتسم بخير، وليس كل صامت قويًا
أما الصحة الجسدية، فهي انعكاس لعلاقتنا بأنفسنا
الطعام الذي نختاره، ساعات النوم التي نسمح بها، الحركة التي نهملها أو نمارسها، كلها رسائل حب أو إهمال نوجهها إلى أجسادنا
لسنا بحاجة إلى الكمال، ولا إلى أنظمة صارمة ترهقنا، بل إلى وعي
وعي بأن أجسادنا تستحق الاحترام، لا العقاب، تستحق التغذية، لا الحرمان، تستحق الراحة، لا الإرهاق المستمر
الصحة لا تعني أن نعيش بلا أخطاء، بل أن نعود إلى التوازن كلما ابتعدنا عنه
أن نفهم أن الاعتدال هو المفتاح، وأن الاستمرارية أهم من المثالية
فكوب ماء يومي، ونزهة قصيرة، ونوم كافٍ، وكلمة طيبة لأنفسنا، قد تصنع فرقًا أكبر مما نتخيل،
ومن أعظم دروس الصحة ،أنها تُعلّمنا التواضع ،فمهما بلغ الإنسان من قوة أو نجاح أو مكانة، يبقى ضعيفًا أمام ألم صغير،
وهنا فقط ندرك أن الصحة ليست أمرًا ثانويًا، بل هي كل شيء، هي القدرة على الاستمتاع بالنجاح، وعلى تحمّل الفشل، وعلى الوقوف بعد السقوط
الصحة أيضًا علاقة مع الزمن
كلما اعتنينا بها مبكرًا، ردّت لنا الجميل لاحقًا، وكلما أهملناها، طالبتنا بالدفع مضاعفًا ليست انتقامية، لكنها عادلة. تعطي بقدر ما نمنح، وتضعف بقدر ما نُهمل

أن الصحة نعمة فتستحق الامتنان،
فإن الامتنان لها ليس كلمة تُقال على عجل، ولا دعاءً عابرًا نردده دون وعي، بل هو حالة شعورية عميقة، ووعي يومي، ونظرة مختلفة للحياة
الامتنان للصحة يعني أن ننتبه لما نملكه قبل أن نفقده، وأن نحترم أجسادنا قبل أن تُجبرنا على التوقف، وأن نُدرك أن العافية ليست أمرًا عاديًا كما اعتدنا أن نعتقد، بل معجزة تتكرر كل يوم بصمت
نحن نعيش داخل أجساد تعمل دون توقف، قلوب تنبض دون أن نأمرها، رئات تتنفس دون إذن، أعضاء تؤدي وظائفها بدقة مذهلة، ومع ذلك نادرًا ما نشكرها.ننسى أن الجسد يسهر حين ننام، ويقاوم حين نضعف، ويصبر حين نُهمله.كم مرة قسونا عليه؟
كم مرة تجاهلنا ألمه؟كم مرة طالبناه بالمزيد ونحن لم نمنحه الحد الأدنى من الراحة

الامتنان للصحة يبدأ من الاعتراف
الاعتراف بأن الجسد ليس عدوًا نُعاقبه بالحرمان أو الإرهاق، بل رفيق رحلة حملنا منذ أول نفس، وسيبقى معنا حتى آخرها
هو الوعاء الذي احتوى أحلامنا، وخيباتنا، وانتصاراتنا، ودموعنا، وضحكاتنا، فكيف لا نستحق أن نكون لطفاء معه
الامتنان للصحة يعني أن نستيقظ ونقول في داخلنا: ما زلت قادرًا على الحركة، على الرؤية، على السمع، على الكلام، على الشعور
قد تبدو هذه الأمور بديهية، لكنها في الحقيقة نعم عظيمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقد جزءًا منها، أو عاش خوف فقدانها
هناك من يتمنى أن ينهض من فراشه دون ألم، وهناك من يحلم فقط بأن يتنفس بعمق، وهناك من يتمنى ليلة نوم هادئة بلا قلق
الامتنان لا يعني إنكار المعاناة أو التقليل من الألم، قد نكون مرضى ومع ذلك ممتنين، وقد نكون متعبين ومع ذلك شاكرين
فالامتنان لا يُلغِي الألم، لكنه يمنحه معنى، ويخفف وطأته، ويُذكّرنا بأن في الحياة ما يستحق التمسك به رغم كل شيء
ومن الامتنان أن نتوقف عن مقارنة صحتنا بصحة الآخرين لكل إنسان رحلته، ولكل جسد قصته، ولكل ألم سببه
المقارنة لا تُنقص ألمنا ولا تُزيد عافيتنا، لكنها تُفقدنا السلام الامتنان الحقيقي هو أن نقبل أجسادنا كما هي، بحدودها، بندوبها، بتقلباتها، وأن نتعامل معها برفق لا بقسوة الامتنان للصحة يتجلى في التفاصيل الصغيرة التي نهملها
في كوب ماء نشربه بوعي لا بعجلة في وجبة نأكلها باحترام لا بذنب في نوم نمنحه لأنفسنا دون شعور بالتقصير في استراحة نأخذها دون تبرير في نفس عميق نلتقطه وسط الزحام
هو أن نختار لأنفسنا ما يُريحها، لا ما يُرهقها فقط لإرضاء الآخرين أن نعتذر عندما نحتاج إلى الراحة
أن نقول “لا” عندما يكون “نعم” ثمنها صحتنا أن نفهم أن الحفاظ على العافية ليس أنانية، بل مسؤولية
الامتنان للصحة هو أن نصغي للجسد بدل أن نُسكته أن ننتبه لإشاراته قبل أن تتحول إلى صرخات
أن نحترم التعب قبل أن يتحول إلى مرض أن نُدرك أن الوقاية ليست ضعفًا، بل وعيًا ونضجًا
وفي ختام هذا الحديث عن الصحة، ندرك أن الخوف الحقيقي ليس من التعب العابر، ولا من يوم نمرض فيه ثم نُشفى، بل الخوف
الصادق هو من أن نفقد هذه النعمة ونحن لم نُحسن شكرها، ولم نعرف قيمتها إلا بعد أن تبتعد
نخاف من خسارة الصحة لأنها الشيء الوحيد الذي إذا اختلّ، اختلّ معه كل شيء: الأحلام، الخطط، الطموحات، وحتى أبسط تفاصيل الحياة فالإنسان بلا صحة قد يملك كل شيء، ومع ذلك يشعر أنه لا يملك شيئًا
نخاف لأن الصحة لا تُعوض، ولأنها إن غابت لا يسدّ فراغها مال ولا نجاح ولا كلمات مواساة
نخاف لأن المرض يعلّمنا فجأة ما لم نتعلمه في سنوات العافية، ويكشف لنا هشاشتنا التي كنا نغطيها بالقوة والإنشغال
ومع ذلك، فإن هذا الخوف نفسه يعلّمنا الامتنان، ويوقظ فينا وعيًا نحتاجه لنعيش بسلام
ولذلك نحمد الله على الصحة حمدًا لا ينقطع، حمدًا على كل نفس نأخذه دون ألم، وعلى كل صباح نستيقظ فيه ونحن قادرون، وعلى كل مساء نخلد فيه إلى الراحة بطمأنينة
نحمده على الجسد الذي يحملنا، وعلى القلب الذي ينبض، وعلى العافية التي تحيط بنا حتى وإن نسيناها أحيانًا
فالحمد ليس فقط وقت الشدة، بل وقت النعمة أيضًا، بل لعلّ شكر النعمة هو ما يحفظها
نحمد الله لأن الصحة ليست مجرد قوة جسدية، بل رحمة، ولطف، وسترة، وعطاء خفي
نحمده لأننا نتحرك، ونفكر، ونشعر، ونعيش، وكل ذلك بفضله وحده
ونحمده لأن في كل يوم عافية جديدة، وفرصة أخرى لنكون أفضل، وأقرب، وأوعى

وفي هذا المقام، لا يسع القلب إلا أن يتجه بالدعاء لكل من أثقل المرض جسده، ولكل من أرهق الألم روحه، ولكل من ينتظر الشفاء بصبر وأمل
نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفي كل مريض، شفاءً لا يغادر سقمًا، شفاءً يطمئن به القلب، وتعود به الروح قوية مطمئنة
نسأله أن يخفف عنهم، وأن يجبر خواطرهم، وأن يجعل ما أصابهم رفعةً لهم وتكفيرًا للذنوب ونورًا في دروبهم
اللهم اشفِ كل من يتألم في صمت، وكل من يبتسم وهو موجوع، وكل من تعب جسده ولم يتعب إيمانه
اللهم ارزقهم صبرًا جميلًا، وأجرًا عظيمًا، وقلبًا مطمئنًا، وعافية تعود إليهم أقرب مما يتمنون
واجعل الصحة نعمة دائمة علينا وعليهم، واحفظها لنا ما حفظت الحياة فينا
وفي النهاية، تبقى الصحة أمانة، والخوف من فقدانها دعوة للاهتمام بها لا للهلع، والحمد عليها طريقًا لحفظها، والدعاء بابًا للأمل لا يُغلق.
فما دمنا نحمد الله، ونرعى هذه النعمة، ونذكر المرضى بدعائنا، فإن في الحياة خيرًا كثيرًا يستحق أن نعيشه بامتنان وأمل

نعم مقالة جيدة من الكاتبة الصاعدة رحاب الشاط تعبر عن نعمة من نعم الله التي يجب ان نشكره عليها كل يوم فبدونها لا تكون السعادة ابدا