ماذا لو أخبرك أحدهم أن تلك اللحظات التي شعرتِ فيها بالانكسار، حين خذلتك النتائج، وتعثّرت الخطوات، وبكيتِ في صمت… لم تكن نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية؟
ماذا لو كان الفشل الذي تخافينه ليس سوى مسودة أولية، مليئة بالشطب والتعديلات، لقصة نجاح لم تُكتب بعد؟
نحن نكبر ونحن نُعلَّم أن الفشل عيب، وأن السقوط ضعف، وأن الخطأ وصمة يجب إخفاؤها.
نكبر ونحن نُقارن أنفسنا بالناجحين دون أن نرى عدد المرات التي سقطوا فيها قبل أن يصلوا.
نرى الصورة النهائية اللامعة، ولا نرى المسودات الممزقة التي سبقتها
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا هي أن كل قصة نجاح عظيمة بدأت بفشل موجع

الفشل… ذلك المعلم القاسي الصادق
الفشل لا يجاملنا. لا يربّت على أكتافنا بكلمات لطيفة، ولا يختار وقته بعناية. يأتي فجأة، يطرق أبوابنا بقوة، ويجبرنا على التوقف لكنه، رغم قسوته، أكثر المعلمين صدقًا
حين تفشل، تُجبر على أن تنظر إلى نفسك بعمق: أين أخطأت؟،ماذا تجاهلت؟،ما الذي كنت تظنه قوة واتضح أنه ضعف؟
الفشل لا يدمّرك إلا إذا هربت منه. أما إن واجهته، فهو يعيد تشكيلك من الداخل
لماذا يؤلمنا الفشل إلى هذا الحد؟
لأننا لا نفشل وحدنا… بل تفشل معنا أحلامنا، توقعاتنا، وصورتنا عن أنفسنا
يؤلمنا لأننا ربطنا قيمتنا بالنتيجة، لا بالمحاولة
يؤلمنا لأننا خفنا من نظرة الآخرين أكثر من خوفنا من خسارة أنفسنا
.كم مرة شعرتِ أنك خذلتِ نفسك؟
كم مرة قلتِ: “لو كنت أذكى… أقوى… أفضل
لكن الحقيقة أن الفشل لا يعني أنك لست كافي، بل يعني أنك كنت تحاول
والإنسان الذي يحاول، حتى وإن فشل، أصدق من الذي لم يجرؤ أصلًا
المسودة الأولى دائمًا فوضوية
هل قرأتِ يومًا مسودة أولى لرواية عظيمة؟ تكون مليئة بالأخطاء، الأفكار غير المكتملة، والجمل المرتبكة، لكن الكاتب لا يمزقها لأنه يعلم أنها الخطوة الأولى فقط، حياتك تشبه ذلك تمامًا،
الفشل ليس النسخة النهائية منك، بل مسودة تحتاج إلى تعديل، أحيانًا ننسى أن النجاح ليس قفزة واحدة، بل سلسلة محاولات، محاولة تفشل، و أخرى تعلم،و ثالثة تقوي حتى نصل
حين يتأخر النجاح… لا يعني أنه لن يأتي
كم من أشخاص استسلموا لأن النجاح لم يأتِ في الوقت الذي توقعوه؟
لكن ماذا لو كان التأخير رحمة؟ ماذا لو كنتِ تحتاجين مزيدًا من النضج، من الصبر، من الفهم؟ بعض النجاحات لو جاءت مبكرًا، لكَسَرت أصحابها بدل أن ترفعهم، وبعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نصبح مستعدين لعبورها
الفشل أحيانًا لا يقول لكِ: “توقفي بل يقول: “ليس الآن… أعيدي المحاولة بطريقة أصدق”
الفشل لا يُقصي الأقوياء… بل يصنعهم
الأقوياء ليسوا أولئك الذين لم يسقطوا، بل الذين سقطوا… ثم وقفوا، وهم أكثر وعيًا وأقل غرورًا
الفشل: يعلّمك التواضع، يكشف لك من أنتِ حقًا، يميّز من يبقى معك ومن يرحل، يعلّمك أن تعتمدِي على نفسك قبل أي شيء
بعد الفشل، لا تعودين الشخص نفسه، إما أن تصبحِي أكثر قسوة على نفسك، أو أكثر رحمة بها
والأقوياء يختارون الرحمة
لا أحد يراكِ في لحظات الانكسار… لكنك ترين نفسك
أقسى ما في الفشل أنه يحدث في الداخل قبل الخارج في تلك اللحظات التي تبتسمين فيها أمام الناس،
ثم تنهارين حين تكونين وحدك، لكن في تلك العزلة، يحدث التحوّل الحقيقي هناك، بعيدًا عن التصفيق والانتقاد، تبدئين في بناء نفسك من جديد بصمت، والنجاحات التي تولد من الصمت، تكون أعمق وأصدق

ماذا لو نظرتِ إلى فشلك بعين مختلفة؟
ماذا لو قلتِ: هذا لم يكن خسارة، بل درس، هذا لم يكن نهاية، بل انعطاف، هذا لم يكن سقوطًا، بل إعادة ترتيب
تخيلي لو أن كل مرة فشلتِ فيها، كنتِ تكتبين : كم صفحة من الحكمة كنتِ ستمتلكين الآن؟
النجاح ليس عكس الفشل… بل نتيجته، نحن نخطئ حين نضع الفشل والنجاح في كفّتين متقابلتين،
الحقيقة أن النجاح يمرّ عبر الفشل، لا يتجاوزه،
كل شخص ناجح يحمل داخله: قصة رفض ، تجربة خسارة، لحظة شك، دمعة لم يرها أحد
لكن الفرق أن بعضهم توقف عند الفشل، وآخرين أكملوا رغم الألم
لا تخجلي من فشلك… اخجلي فقط إن توقفتِ
الفشل ليس ما يجب أن نخجل منه، بل الاستسلام هو الخسارة الحقيقية إن توقفتِ لأنك خفتِ من المحاولة، فأنتِ تحكمين على نفسك بالبقاء في المكان نفسه أما إن حاولتِ مرة أخرى، فأنتِ تكتبين فصلًا جديدًا، حتى وإن لم ينجح فورًا

في النهاية… قصتك لم تنتهِ بعد
إن كنتِ الآن في مرحلة فشل، فهذا يعني أنك في المنتصف، لا في النهاية
قصتك لا تزال تُكتب، والمسودة الحالية ليست الحكم الأخير قد يأتي يوم تنظرين فيه إلى هذه المرحلة وتبتسمين، وتقولين: “هنا… هنا تمامًا، بدأتُ أكون الشخص الذي أنا عليه اليوم، فلا تُمزقي المسودة، ولا تحكمي على الرواية قبل أن تكتمل ، ربما يكون الفشل الذي تخافينه اليوم، هو أجمل فصل في قصة نجاحك القادمة
وفي نهاية هذا الطريق، حيث تتعب الكلمات كما يتعب القلب، نفهم أخيرًا أن الفشل لم يكن يومًا نقيض النجاح، بل كان ظله الطويل الذي يسير معنا بصمت. لم يكن حجرًا في الطريق، بل كان الطريق ذاته حين ضاقت بنا المسارات السهلة. نحن فقط من أخطأنا التسمية؛ سمّيناه فشلًا لأننا كنا مستعجلين، لأننا أردنا للحياة أن تسير وفق توقيتنا، لا وفق حكمتها. والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: بعض الأحلام لا تتأخر لأنها صعبة، بل لأنها تريدنا أن نصبح أعمق، أن نُفرغ قلوبنا من السطحية، وأن نكسر فينا تلك النسخة التي تظن أن الوصول السريع دليل استحقاق
الفشل، في جوهره، ليس لحظة سقوط، بل لحظة انكشاف. انكشاف نياتنا، وصبرنا، وصدقنا مع أنفسنا. هو المرآة التي تضعنا أمام ذواتنا بلا أقنعة، وتسألنا السؤال الأصعب: هل ما زلت تريد هذا الحلم حتى بعد أن خذلك الطريق؟ كثيرون انسحبوا عند هذا السؤال، لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم لم يكونوا مستعدين لدفع ثمن الحلم كاملًا. فالأحلام الحقيقية لا تطلب منا المحاولة فقط، بل تطلب منا أن نُعيد بناء أنفسنا كلما تهدّمنا
نحن لا ننهزم حين نفشل، نحن ننهزم فقط حين نُقنع أنفسنا أن ما حدث يختصرنا. حين نسمح لنتيجة واحدة أن تمحو كل محاولاتنا، وكل نوايانا، وكل الليالي التي آمنا فيها بأننا نستحق أكثر. الفشل لا يقول لنا: توقف، بل يقول: تغيّر. غيّر نظرتك، غيّر أسلوبك، غيّر قسوتك على نفسك. فهو لا يأتي ليأخذ منك قيمتك، بل ليُحرّرك من وهم أنك يجب أن تكون قويًا دائمًا، ناجحًا دائمًا، وواصلًا دائمًا
كم من مرة ظننت أنك وصلت إلى النهاية، بينما كنت في الحقيقة عند بداية الفهم؟ وكم من مرة بكيت على بابٍ أُغلق، ولم تنتبه أن إغلاقه أنقذك من طريقٍ لم يكن يشبهك؟ بعض الخيبات ليست خسارات، بل إنقاذ مؤجل. وبعض التأخيرات ليست عقابًا، بل عناية خفية تُبعدك عن نسخة من النجاح لا تُشبه روحك. الفشل أحيانًا لا يمنعك من الوصول، بل يمنعك من الوصول إلى المكان الخطأ
وحين ننظر إلى الوراء، بعد أن يهدأ الألم، نكتشف أن أكثر اللحظات التي شككنا فيها بأنفسنا كانت هي اللحظات التي صقلتنا أكثر. هناك، في قاع الخيبة، تعلمنا الصمت بدل التبرير، والعمق بدل الاستعراض، والثبات بدل الاندفاع. هناك، وُلدت فينا حكمة لم تأتِ من الكتب، بل من الانكسار. حكمة تقول إن النجاح الذي لا يمر عبر الألم، غالبًا ما يكون هشًّا، سريع الانطفاء، لأن صاحبه لم يتعلم بعد كيف يحميه
لذلك، إن كنت الآن في منتصف الطريق، متعبًا، مترددًا، تشعر أن كل محاولاتك لم تُثمر، فتوقّف قليلًا… لا لتنسحب، بل لتفهم. اسأل نفسك لا: لماذا فشلت؟ بل: ماذا يريد هذا الفشل أن يعلّمني؟ فربما أنت لا تحتاج خطوة إضافية للأمام، بل نظرة أصدق إلى الداخل. وربما نجاحك لم يتأخر، بل كان ينتظر أن تصبح أنت أكبر من صورته القديمة في خيالك
وفي النهاية، تذكّر هذا جيدًا

الفشل لا يكتب نهاياتنا، نحن من نفعل
وكل مرة ننهض فيها، حتى ونحن خائفون، حتى ونحن غير واثقين، نكتب سطرًا جديدًا في القصة. قصة لا تبدأ بالوصول، بل بالإصرار. ولا تُختم بالتصفيق، بل بالسلام الداخلي. سلام من يعرف أن كل ما مرّ به، لم يكن عبثًا، وأن كل دمعة سقطت في الظل، كانت تمهّد لطريقٍ سيُضاء يومًا ما… حين نكون نحن مستعدين أخيرًا لنمشي فيه دون خوف
وفي يومٍ ما، حين تنظرين إلى الوراء، ستدركين أن اللحظة التي ظننتِ فيها أنكِ انكسرتِ تمامًا… كانت هي اللحظة التي بدأتِ فيها تتشكلين من جديد، بهدوء، وبقلبٍ أقوى مما تخيلتِ يومًا
لن يحدث هذا الإدراك فجأة، ولن يأتيكِ في لحظة احتفال أو انتصار صاخب، بل سيأتيكِ في هدوءٍ يشبه الصلح مع الذات، حين تهدأ الأسئلة، وتخفّ قسوة الندم، وتفهمين أن ما مررتِ به لم يكن عبثًا، ولم يكن قسوة بلا معنى. ستفهمين أن الانكسار لم يكن نهاية الطريق، بل كان النقطة التي أجبرتكِ على التوقّف، على النظر إلى نفسكِ بصدق، وعلى إعادة تعريف القوة من جديد
في تلك اللحظة، ستتذكرين كيف ظننتِ أن كل شيء قد ضاع، كيف شعرتِ أن الأرض انسحبت من تحت قدميكِ، وأنكِ لم تعودي تعرفين من أنتِ ولا إلى أين تمضين. ستتذكرين الليالي الثقيلة التي لم يكن فيها الفشل فكرة، بل شعورًا يسكن الجسد، وكيف كنتِ تحاولين النجاة لا النجاح، فقط أن تمضي الأيام دون أن ينهار ثقلها. لكنكِ ستبتسمين بهدوء، لأنكِ ستدركين أن تلك الأيام، بكل وجعها، كانت تعيد ترتيبكِ من الداخل، دون أن تشعري

الانكسار لا يدمّرنا كما نعتقد، بل يعرّي أرواحنا من الزوائد. يزيل عنها ما لم يكن حقيقيًا، ما لم يكن نابعًا منّا، ويُبقي الجوهر فقط. في لحظات الضعف القصوى، نعود إلى أنفسنا الأولى، إلى الإنسانة التي لا تريد أن تُثبت شيئًا لأحد، بل تريد فقط أن تفهم ذاتها، وأن تمشي بسلام. هناك، في عمق الألم، يولد وعيٌ جديد، ونسخة أنضج منكِ، لا تُجيد الصراخ، لكنها تُجيد الثبات
حين تلتفتين إلى الماضي، لن تري الفشل كعدو، بل كمعلمٍ صامت، قاسٍ أحيانًا، لكنه صادق. ستشكرين تلك اللحظة التي ظننتِ فيها أنكِ انتهيتِ، لأنها لم تُنهِكِ… بل أعادت صياغتكِ. أعادت امرأةً و رجل يعرفان القيمة دون تصفيق، ويعرفان طريقهما حتى في العتمة، ويسيران الآن لا لأنهما لم تتألما، بل لأنهما تعلّما كيف يحوّلان الألم إلى وعي، والانكسار إلى بداية أكثر صدقًا وعمقًا
من إعداد: رحاب الشاط

احسنتي مقالة ممتازة
نعم بالفعل الأغلبية الساحقة من الناس يتعرضون لهذا الموقف واشكركي لانكي كتبتي فيه