مريم الأسطرلابي: عبقرية السماء التي صممت «جي بي إس» العصور الوسطى

مقدمة: امرأة خلف حجاب العلم

حين نسمع عن أنظمة «جي بي إس» وخريطة جوجل والأقمار الصناعية، نتصور فورًا معامل ضخمة وشركات تكنولوجية غربية، ولا نكاد نتخيل أن جذور هذه التكنولوجيا تعود إلى عالِمة مسلمة عاشت قبل أكثر من ألف عام في الشام.
مريم الأسطرلابي (أو مريم العجلية الأسطرلابية) صانعة أسطرلابات مبدعة من حلب في القرن العاشر الميلادي، طوّرت أداة فلكية معقدة جعلت حساب الوقت والاتجاهات أشبه بنظام ملاحة متنقل في يد المسافر.
لم تخترع مريم الأسطرلاب من الصفر، لكنه بين يديها أصبح أكثر دقة وفائدة، حتى لُقّبت اليوم رمزيا بأنها «مصممة جي بي إس العصور الوسطى».


صورة تخيلية لمريم الأسطرلابي في ورشة صناعة الأسطرلاب بحلب، تبرز دقتها وإبداعها في تصميم أدوات الفلك في العصر العباسي.

من هي مريم الأسطرلابي؟

  • اسمها الكامل المتداول في المصادر الحديثة: مريم العجلية الأسطرلابية، وتنسب إلى قبيلة العِجْلي وتُعرَف بلقب «الأسطرلابية» لاشتغالها بصناعة الأسطرلاب.
  • عاشت في القرن العاشر الميلادي، في ظل الدولة العباسية، وعملت في مدينة حلب شمال سوريا تحت رعاية الأمير سيف الدولة الحمداني بين عامي 944 و967 ميلادية تقريبًا.
  • تعلمت الصنعة على يد والدها، الذي كان بدوره تلميذًا لصانع أسطرلابات شهير من بغداد، فانتقل إليها العلم والخبرة عبر سلسلة من الحرفيين والعلماء.

تصفها المصادر بأنها كانت ذات عقلية متقنة، دقيقة التركيز، بارعة في تصميم الآلات، رغم محدودية ما وصلنا من تفاصيل حياتها الشخصية.
هذه الندرة في المعلومات تجعل كل سطر محفوظ عنها مسؤولية تاريخية، لأنها تمثل صوت كثير من النساء العالمات اللواتي غاب ذكرهن عن كتب التراجم.


أسطرلاب نحاسي فوق خريطة قديمة يوضح فكرة «جي بي إس» العصور الوسطى الذي استخدمه العلماء والمسافرون لتحديد الاتجاه والوقت.

ما هو الأسطرلاب؟ ولماذا يشبه «الجي بي إس»؟

الأسطرلاب جهاز فلكي مسطح يُمثّل السماء على صفيحة معدنية، يُستخدم لقياس ارتفاع الشمس والنجوم، وتحديد الوقت والاتجاهات بالاعتماد على مواقع الأجرام السماوية.
في العالم الإسلامي، استُخدم الأسطرلاب لتحديد: أوقات الصلوات الخمس، اتجاه القبلة من المدن المختلفة، ومواعيد بدايات الشهور القمرية مثل رمضان والعيدين.

يشبه الأسطرلاب «جي بي إس» العصور الوسطى من عدة زوايا:

  • آلة محمولة باليد يمكن أن يحملها المسافر والبحّار والعالم معه أينما ذهب.
  • تُستخدم لتحديد الموقع التقريبي بالنسبة للسماء والأفق، أي «أين أنا؟» و«إلى أين أتجه؟».
  • تساعد في حساب المسافات والزوايا والاتجاهات الضرورية للملاحة البرية والبحرية.

بهذا المعنى، كان المسلم في القرن الرابع الهجري يحمل في جيبه ما يشبه خريطة سماوية تفاعلية، تقوده إلى القبلة، وتنظم له صلاته وسفره وتجاره، دون بطارية ولا إنترنت.


ماذا أضافت مريم للأسطرلاب؟

تجمع الروايات المعاصرة على أن فضل مريم لم يكن في اختراع الأسطرلاب من العدم، بل في تطوير تصميمه، ودقّة صناعته، وتوسيع مجالات استعماله العملية.

من أبرز ما يُذكر في إنجازاتها:

  • تحسين دقة الحسابات الفلكية التي يجريها الأسطرلاب، خاصة في تحديد مواقع النجوم والأجرام السماوية رياضيًا على صفائح الجهاز.
  • الارتقاء بجودة الصناعة والدقة الهندسية، حتى أصبحت أسطرلاباتها من الأدوات المعتمدة لدى الأمير سيف الدولة، ما يعني أنها استُخدمت في إدارة شؤون الدولة والعلم.
  • الإسهام في تطوير تقنيات الملاحة وتحديد الوقت في عصرها، وهو ما جعل دورها جزءًا من منظومة تطور أدوات «تحديد الموقع» في الحضارة الإسلامية.​​

تصفها بعض المبادرات العلمية المعاصرة بأنها «عبقرية السماء» التي جعلت من الأسطرلاب جهازًا أكثر فاعلية، و«ممهّدة الطريق لتقنيات الملاحة الحديثة»، في إشارة رمزية إلى العلاقة بين أدوات الأمس الرقمية والأنظمة الفضائية اليوم.

ولعل أبلغ اعتراف حديث بمكانتها أن كويكبًا في الفضاء حمل اسمها: الكويكب رقم 7060 Al-ijliya، الذي سُمّي تكريمًا لإسهاماتها في علم الفلك.


خلف حجاب العلم: قصة امرأة في ورشة الفلك

تخيّل شابة في حلب القرن العاشر، تجلس في ورشة صغيرة تزدحم بالصفائح النحاسية، والأقراص المحفورة، والنقوش الدقيقة التي تمثل مسارات النجوم.
بين يديها إزميل دقيق، ومساطر منقوشة بالأرقام والأقواس والزوايا، وكل ضربة محسوبة بعين خبيرة، لأن أي خطأ صغير في النقش يعني خطأ في تحديد القبلة أو في وقت الصلاة أو في اتجاه السفينة في البحر.

في مجتمع يغلب عليه حضور الرجال في ساحات العلم والحِرَف، اختارت مريم أن تقف وسط هذا العالم المعقد، تتعلم من والدها، تنافس بإتقانها، حتى أصبحت صاحبة اسم ولقب في تاريخ صناعة الأسطرلاب.
قد لا نعرف تفاصيل مظهرها أو حياتها اليومية، لكن نعرف أنها كسرت الصورة النمطية، وقدمت نموذجًا لامرأة مسلمة تجمع بين الحياء والعبادة والعمل العلمي الدقيق.

هذا البعد الإنساني مهم تربويًا؛ لأنه يرسل رسالة للفتيات اليوم أن حب الرياضيات والهندسة والفلك ليس حكرًا على جنس أو عصر، بل هو باب مفتوح لكل من يمتلك الشغف والصبر.​​


عالم مسلم يستخدم الأسطرلاب على سطح مسجد لتحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة، في مشهد يجمع بين الفلك والعبادة.

كيف خدم الأسطرلاب الدين والحياة اليومية؟

أسهم الأسطرلاب المطوّر الذي كان يصنعه علماء مثل مريم في خدمة جوانب متعددة من حياة المسلمين:

  • العبادة:
    • تحديد اتجاه القبلة بدقة من مدن بعيدة عن مكة، بالاعتماد على حسابات فلكية.
    • ضبط أوقات الصلاة وفق حركة الشمس والنجوم، بعيدًا عن التخمين أو التقدير التقريبي.
    • المساعدة في تحديد بدايات الأشهر القمرية، ومن ثم مواعيد رمضان وعيدي الفطر والأضحى.
  • العلم والتعليم:
    • تدريب الطلاب على الربط بين الرياضيات (الزوايا، الدرجات، الدوائر) والواقع العملي.
    • تعميق فهم حركات الأجرام السماوية، ودورها في تكوين التقويم وتنظيم الزمن.
  • السفر والتجارة:
    • مساعدة البحّارة على معرفة مواقعهم التقريبية في البحر اعتمادًا على النجوم، وتقدير اتجاه حركتهم.
    • تسهيل رحلات القوافل التجارية الطويلة عبر الصحارى، بتحديد الجهات والمسارات الليلية.

بهذه الوظائف، كان الأسطرلاب أداة تجمع بين العبادة والعلم والعمل، وتربط المسلم بالسماء والأرض في آن واحد.


صورة فنية تجمع بين أسطرلاب قديم وهاتف ذكي يعرض خريطة جي بي إس، لتوضيح امتداد فكرة الملاحة من الماضي إلى الحاضر.

من الأسطرلاب إلى «الجي بي إس»: ما الرابط؟

من الناحية التقنية، يعتمد نظام «جي بي إس» الحديث على إشارات الأقمار الصناعية وحسابات زمنية ومكانية معقدة لتحديد موقع الجهاز بدقة عالية.
أما الأسطرلاب فيعتمد على مواقع الشمس والنجوم، وعلى حسابات فلكية وزوايا وهندسة كروية، لتحديد الوقت والاتجاه والموقع التقريبي.

وجه الشبه ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في الفكرة الجوهرية:

  • كلاهما نظام لموضعـة الإنسان في الفضاء، والإجابة عن سؤال: أين أنا؟ وإلى أين أتجه؟ وكيف أصل في الوقت الصحيح؟
  • كلاهما يربط بين السماء والأرض: الأسطرلاب بواسطة النجوم، و«جي بي إس» بواسطة الأقمار الصناعية.

لذلك يصف بعض الباحثين المعاصرين مريم الأسطرلابي بأنها ساهمت في «البنية الفكرية» التي سبقت أنظمة الملاحة الحديثة، عبر تطوير أداة كانت في زمانها ثورة علمية وعملية.


ماذا نتعلم تربويًا من سيرة مريم؟

سيرة مريم الأسطرلابي ليست مجرد قصة قديمة، بل مادة تربوية غنية لطلاب اليوم، خاصة في سياق مواقع التعليم والجمعيات الخيرية:

  • قيمة القدوة النسائية في العلوم: عرض نموذج امرأة مسلمة برعت في الفلك والهندسة يعيد التوازن للصورة الذهنية عن دور المرأة في الحضارة الإسلامية.
  • الدمج بين العلم والإيمان: الأسطرلاب أداة علمية تخدم الصلاة والقبلة والتقويم القمري، فيتربى الطفل على أن العلم وسيلة لتعظيم الشعائر، لا خصمًا لها.
  • ثقافة الإتقان: دقة مريم في صناعة الأسطرلابات تعلم أبناءنا أن العمل العلمي والمهني عبادة، وأن كل درجة منقوشة بإتقان تُقرّب الإنسان إلى خدمة مجتمعه وأمته.
  • كسر الصور النمطية: القصة تساعد المربين على تشجيع الفتيات على دخول مجالات STEM (العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات) بثقة.​​

في موقع جمعيتكم، يمكن ربط هذه السيرة بمحاور التربية على حب العلم، ودعم تعليم الفتيات، وبرامج تحفيظ القرآن المصحوبة بأنشطة علمية عن حركة الشمس والزمان والقبلة.


أسئلة شائعة يطرحها القرّاء ومحركات البحث

هل اخترعت مريم الأسطرلاب؟

الجواب: لا، الأسطرلاب أقدم من مريم، ويُنسب اختراعه الأولي إلى علماء اليونان، ثم انتقل وتطور في الحضارة الإسلامية.​
دور مريم كان في تطوير تصميمه، وتحسين دقة صناعته، وتوسيع استخدامه في الفلك والملاحة والعبادات.

لماذا تُلقب «مصممة جي بي إس العصور الوسطى»؟

لأن الأسطرلاب الذي طوّرته، وأمثاله من الأدوات الإسلامية، قام بوظائف تشبه ما يقوم به نظام الملاحة الحديث: حساب المواقع والاتجاهات والأوقات، ومساعدة الناس في السفر وتحديد القبلة والوقت بدقة.

هل اعترفت المؤسسات العلمية الحديثة بإنجازاتها؟

نعم، فقد سُمّي كويكب رقم 7060 في الفضاء باسم «Al-ijliya» تكريمًا لها، كما أصبحت قصتها تُدرَّس وتُعرض في مبادرات علمية وإعلامية عديدة حول العالم.

كيف يمكن استثمار قصتها في المناهج والأنشطة المدرسية؟

يمكن تقديمها في:

  • حصص التربية الإسلامية لشرح ارتباط العلم بالصلاة والقبلة.
  • حصص العلوم والفيزياء لشرح الحركة الظاهرية للشمس والنجوم.
  • الأنشطة الكشفية والرحلات لتعليم التوجيه بالنجوم، وصناعة نماذج مبسطة للأسطرلاب.
مشهد تعليمي حديث يعرض سيرة مريم الأسطرلابي للأطفال، لإبراز دور المرأة المسلمة في العلوم وتشجيع الفتيات على حب الفلك والهندسة.

ما الرسالة التي توجّهها سيرتها للفتيات خصوصًا؟

ترسل رسالة واضحة: تستطيع الفتاة المسلمة أن تكون عالِمة ومهندسة ومبتكرة، تحفظ دينها وتخدم مجتمعها في الوقت نفسه، وأن أسماء مثل مريم الأسطرلابي ليست استثناءً عابرًا، بل جزءًا من تاريخ طويل لنساءٍ فاعلات في العلوم.


3 تعليقات

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *