حين تتكلم المشاعر بصمت
ليس الطفل صفحة بيضاء بلا إحساس، ولا قلبًا صغيرًا لا يعرف سوى الفرح والبكاء. الطفل عالم داخلي كامل، مليء بالمشاعر المتداخلة التي قد تعجز الكلمات عن وصفها. فهو يشعر بالخوف قبل أن يعرف معناه، ويحزن قبل أن يتعلم كيف يعبّر، ويغضب لأن شيئًا في داخله لم يجد طريقه إلى الفهم.
كثيرًا ما ننظر إلى سلوك الطفل الظاهر، وننسى أن وراء كل تصرّف قصة شعورية صامتة. فالطفل لا يصرخ عبثًا، ولا يبكي دون سبب، لكنه يرسل رسائل بلغته الخاصة، لغة تحتاج قلبًا واعيًا لا أذنًا فقط. إن فهم مشاعر الطفل ليس ترفًا تربويًا، بل أساس بناء إنسان متوازن يعرف نفسه ويثق بها.

•مشاعر الطفل : عالم داخلى غير مرئي :
مشاعر الطفل عميقة أكثر مما نتصور، لكنها غير منظّمة وغير مفهومة بالنسبة له. فهو يشعر بأشياء كثيرة في وقت واحد، دون أن يمتلك الأدوات اللازمة لفهمها أو التعبير عنها. قد يختلط الخوف بالغضب، والغيرة بالحزن، فيخرج كل ذلك في شكل سلوك نراه “مزعجًا” أو “غير مقبول”.
الطفل لا يعرف أن يقول: أنا أشعر بالإهمال، لكنه قد يصبح عدوانيًا. ولا يعرف أن يقول: أنا خائف من فقدانك، فيتشبث أو يرفض الانفصال. هذه المشاعر غير المرئية تحتاج من يراها بعين القلب، لا من يحاكمها بسطحية.
•لماذا يعجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ؟
الطفل لا يولد بقدرة لغوية أو نفسية تمكّنه من شرح ما بداخله. التعبير عن المشاعر مهارة تُكتسب مع الوقت، ومع التوجيه والدعم.
حين يُقابل الطفل بالتجاهل أو السخرية كلما حاول التعبير، يتعلّم أن الصمت أكثر أمانًا من الكلام. وحين يُطلب منه دائمًا أن “يتوقف عن البكاء” أو “يكبر بسرعة”، يشعر أن مشاعره عبء، فيبدأ بقمعها بدل فهمها.
وهنا تبدأ المشكلة: مشاعر لم تُحتوى، تتحول لاحقًا إلى توتر، أو قلق، أو انفجارات سلوكية غير مفهومة.

•السلوك ليس المشكلة بل الرسالة :
من أكبر الأخطاء التربوية أن نركّز فقط على تصحيح سلوك الطفل دون محاولة فهم أسبابه. فالسلوك في حد ذاته ليس المشكلة، بل هو رسالة.
الطفل الذي يضرب، قد يكون طفلًا لا يعرف كيف يعبّر عن غضبه. والطفل الذي ينسحب ويصمت، قد يكون مثقلًا بمشاعر لم يجد لها أمانًا. وحتى العناد، في كثير من الأحيان، هو محاولة يائسة لإثبات الذات والشعور بالسيطرة.
حين نفهم السلوك كرسالة، نغيّر طريقة تعاملنا مع الطفل، وننتقل من العقاب إلى الفهم، ومن الغضب إلى الاحتواء.
•الأسرة المترجم الاول لمشاعر الطفل :
الأسرة هي المكان الأول الذي يتعلّم فيه الطفل كيف يشعر، وكيف يُسمح له أن يشعر. داخل البيت، تتشكل أولى علاقته بذاته وبالعالم. فإن وجد صدرًا رحبًا يستوعب حزنه، ويدًا تمسح دموعه قبل أن تسأله عن السبب، تعلّم أن مشاعره آمنة، وأن التعبير عنها ليس خطأ.
الأبوان ليسا مطالبين بأن يكونا مثاليين، بل أن يكونا حاضرين. حضورٌ يشعر الطفل بأنه ليس وحده في ما يحسّ به، وأن هناك من يرافقه في مشاعره حتى يفهمها. فالطفل لا يحتاج حلولًا جاهزة بقدر ما يحتاج شعورًا بأن ما بداخله مفهوم ومقبول.
•حين يسمح للطفل أن يشعر :
من حق الطفل أن يحزن، وأن يغضب، وأن يخاف. هذه المشاعر ليست ضعفًا، بل جزء طبيعي من إنسانيته. حين نسمح له بالشعور دون توبيخ أو استهزاء، نعلّمه أن يتعامل مع مشاعره بدل أن يهرب منها.
الطفل الذي يُقال له: “لا بأس أن تبكي”، يتعلّم أن البكاء ليس عيبًا. والطفل الذي يُحتوى غضبه، يتعلّم لاحقًا كيف يعبّر عنه دون إيذاء نفسه أو غيره. هكذا، وببساطة، نزرع في داخله توازنًا نفسيًا سيحمله معه سنوات طويلة.
•الإنصات لغة لا تحتاج كلمات :
أحيانًا، لا يريد الطفل شرح ما يشعر به، بل يريد فقط من يسمعه. جلوس هادئ، نظرة دافئة، وصمت مُطمئن، قد تكون أبلغ من ألف نصيحة.
الإنصات الحقيقي هو أن نترك الهاتف جانبًا، وأن نمنح الطفل انتباهنا الكامل، حتى لو كانت مشكلته تبدو بسيطة في نظرنا. فما هو بسيط لنا، قد يكون عظيمًا في قلب صغير ما زال يتعلّم الحياة.
حين يشعر الطفل أن هناك من ينصت له بصدق، يكبر وهو قادر على الإصغاء لنفسه وللآخرين.
•تسمية المشاعر خطوة نحو الوعي :
الطفل يحتاج من يساعده على فهم ما يشعر به. فحين نقول له: “يبدو أنك حزين لأن صديقك لم يلعب معك”، نمنحه لغة داخلية يفهم بها نفسه.
تسمية المشاعر لا تعني تضخيمها، بل تنظيمها. الطفل الذي يعرف الفرق بين الغضب والحزن، بين الخوف والغيرة، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع ذاته. وهذا الوعي العاطفي هو حجر الأساس للصحة النفسية مستقبلًا.
•كلمات لا ننساها :
هناك كلمات تبقى في الذاكرة، لا لأنها قيلت بصوت عالٍ، بل لأنها قيلت …
في حضن الأسرة تتكون هوية الطفل
في اللحظات الأولى من حياة الطفلٍ ،لا يعرف العالم كما نعرفه نحن الكبار، لكنه يعرف شيئًا واحدًا “حضن الأسرة “. هناك، بين صوت الأم ووجود الأب ، تبدأ ملامح شخصيته في التشكل، وتُزرع أولى بذور هويته. فالأسرة ليست مجرد مكان يعيش فيه الطفل، بل هي الشعور الأول بالأمان، والمرآة التي يرى فيها نفسه للمرة الأولى.

حين يشعر الطفل أنه مسموع
حين يجلس الطفل ليتحدث، وهو يعلم أن هناك من ينصت إليه دون مقاطعة أو سخرية، يشعر بأن صوته مهم، وبأن وجوده له قيمة. التواصل داخل الأسرة لا يعني كثرة الكلام، بل يعني الإنصات بصدق، والنظر في عيني الطفل، واحتواء مشاعره قبل تصحيح سلوكه.
الطفل الذي يُسمَع، يكبر وهو يعرف كيف يعبّر عن نفسه بثقة، أما الطفل الذي يُقابل بالصمت أو القسوة، فيتعلم أن يخفي مشاعره، ويصمت حتى عن نفسه.
ما نزرعه دون أن نشعر
القيم لا تُلقَّن، بل تُعاش. يتعلم الطفل الصدق حين يرى والديه صادقين، ويتعلم الاحترام حين يُعامَل به، ويتعلم الرحمة حين يشعر بها داخل بيته، في التفاصيل الصغيرة : طريقة الحديث، أسلوب الخلاف، وحتى لحظات التعب. يتشكل وعي الطفل بما هو صواب وما هو خطأ.
وما يغرسه البيت اليوم، سيحمله الطفل معه غدًا إلى المدرسة، ثم إلى المجتمع، ثم إلى حياته كلها.
العلاقة مع الوالدين: حب يصنع التوازن
العلاقة الدافئة بين الطفل ووالديه تمنحه شعورًا عميقًا بالأمان. ذلك الأمان الذي يجعله لا يخاف من الفشل، ولا يرتبك عند الخطأ، لأنه يعرف أن هناك من يحبه دون شروط.
فحضنٌ صادق، وكلمة طمأنة، ونظرة تفهّم، قد تكون كافية لتهدئة قلب صغير وبناء نفس مطمئنة.
أما حين يغيب هذا الاحتواء، قد يكبر الطفل وهو يبحث عن القبول في أماكن أخرى، أو يحمل داخله شعورًا بعدم الاكتمال. وقد يظهر ذلك لاحقًا في خوفه من التعبير عن نفسه، أو في علاقات غير متوازنة، لأنه لم يتعلم كيف يُحبّ ذاته كما هي. فالعلاقة السليمة مع الوالدين لا تمنح الطفل الحب فقط، بل تعلّمه كيف يمنح هذا الحب لنفسه وللآخرين.

الأثر النفسي… شخصية تُبنى بهدوء
في حضن أسرة متفهمة، ينمو طفل يعرف من هو، وما الذي يستحقه، دون أن يضطر لإثبات نفسه طوال الوقت. يكبر وهو يشعر بقيمته، محاطًا بإحساس داخلي بالأمان، يجعله أكثر توازنًا في مشاعره وأفكاره. يتعلّم أن التعبير عن رأيه حق، وأن قول “لا” لا يعني قسوة، بل احترامًا للذات، وأن الخطأ ليس فشلًا بل تجربة يتعلم منها ويقوى بها. هذا الطفل يواجه الحياة بثبات، لأن داخله جذورًا عميقة زرعتها كلمات الاحتواء ونظرات التفهّم منذ سنواته الأولى.
أما الطفل الذي نشأ في بيئة يغيب عنها الحوار أو يضعف فيها الأمان العاطفي، فقد يكبر وهو يحمل داخله صراعات صامتة لا يُحسن التعبير عنها. قد يظهر هادئًا من الخارج، لكنه يعيش اضطرابًا داخليًا بين الرغبة في القبول والخوف من الرفض. وربما يجد صعوبة في الثقة بالآخرين أو في بناء علاقات مستقرة، لأنه لم يتعلّم في طفولته كيف يشعر بالأمان دون شروط. فالجراح النفسية التي لا تُحتوى في الصغر، لا تختفي مع الزمن، بل تتحوّل إلى أنماط سلوك ومشاعر ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته.
وهكذا، فإن الأثر النفسي للأسرة لا يُقاس بلحظة، بل يمتد على مهل، ويظهر في طريقة التفكير، وفي أسلوب التعامل مع الذات والآخرين. فالأسرة التي تحتضن طفلها بوعي ومحبة، لا تبني فقط طفولة سعيدة، بل تزرع إنسانًا متوازنًا، قادرًا على مواجهة الحياة بقلب مطمئن ونفس هادئة.
وفي حضن الأسرة، تنمو البذور الصغيرة لتصبح أشجارًا قوية، تحمل أوراقها أملاً وحبًا و ثقة. كل كلمة دافئة، كل نظرة تفهّم، كل لحظة احتواء… كلها تكتب في قلب الطفل قصّة حياته، قصّة سلامه مع ذاته ومع العالم من حوله.

شكرا لكم على المجهودات لكي تعم الفكرة
هنيئا لكم
مقال رائع
مقال جميل