لتطوان، “الحمامة البيضاء”، تاريخ يضرب بجذوره في عمق الزمن، أقدم بكثير من أسوار الملوك المرينيين أو الوطاسيين أو السعديين أو العلويين، وأعتق من أزقتها الأندلسية المرصوفة بالحجارة البيضاء. إنها حكاية ترابط قوي بين الجغرافيا والزمان والمكان، وقصة شعب استوطن وعمّر منطقة من أقدم المناطق في عصور ما قبل الميلاد. حكاية جبال لا تنام وأُناس سموا أنفسهم بالأمازيغ الأحرار.
سنعود معًا إلى زمن بعيد، قبل الملوك وقبل الخرائط وقبل البوصلة، إلى أرض الشمس والفخار والذهب وأخبار الغابرين، وأقوال وحكايات الحكماء العاقلين، وأغاني وأهازيج ظلت تعيش في الذاكرة. حينما تشرق الشمس على جبال الريف وتنساب خيوط الضوء فوق الصخور العتيقة، تبدأ حكاية قوم عاشوا لسنوات طويلة بين النهر والبحر.
تمودا: هبة وادي مرتيل وعصرها الذهبي
يقال إن مصر هبة النيل، وكذلك كانت تمودا هبة وادي مرتيل. تمودا، الاسم الأمازيغي المشتق من “تامدا” أي المستنقع أو البحيرة، تقع جنوب غرب مدينة تطوان الحديثة بخمسة كيلومترات. يعود تأسيسها إلى القرن الثالث قبل الميلاد على يد السكان الأصليين للمغرب، الأمازيغ.
عاشت تمودا نهضة حضارية على جميع المستويات والمجالات، خاصة خلال فترة تحالف زعماء الأمازيغ مع الإمبراطورية الرومانية. في ظل حكم المملكة المورية وتحت قيادة الملك بوكّا، بلغت المدينة أزهى أيامها.
وهبتها الطبيعة موقعًا جغرافيًا فريدًا؛ فوجودها على الضفة اليمنى لنهر مرتيل وقربها من البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وموقعها الاستراتيجي لمراقبة قبائل الريف وغمارة وجبالة شمالًا، وقبائل صنهاجة شرقًا وجنوبًا، منحها التحكم المطلق في الطرق التجارية.
شكلت تمودا قطبًا اقتصاديًا مهمًا في المنطقة، وهو ما أكدته التنقيبات والحفريات الأثرية التي كشفت عن بقايا مصانع للنسيج وعدة دكاكين تجارية وسط ساحات المدينة، يُعتقد أنها كانت مكانًا لتبادل السلع بين التجار الوافدين عليها من شعوب البحر كالفينيقيين والقرطاجيين والرومان. كما ضمت المدينة أفرانًا لصناعة الخزف، ولا تزال هذه الصناعة متواجدة في المنطقة لحد الساعة (بني سعيد).
أثبتت دراسات لجيولوجيين ضمن الفريق الأثري وجود مناجم للذهب والفضة والنحاس في تربة المدينة، ما يفسر حجم صادراتها لتجارة الأسلحة نحو الشعوب الأخرى، وسكها لعملة مستقلة وخاصة بها، لتوفّرها على المواد الأولية الخام.
انعكس هذا التطور على المستوى الحضاري الرفيع الذي بلغته المدينة خلال القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، فتمظهر في طريقة تشييد المباني وإنشاء شوارع متعامدة ومبلطة بالحجارة، وكذلك في تقنية تصريف المياه النابعة من الجبال والعيون وإيصالها عبر قنوات جوفية إلى البيوت. وهي تقنية لا تزال مستمرة ومعمول بها في الأحياء العتيقة بمدينة تطوان الحديثة.

صراع القناصلة والدمار الأول
بينما كانت تمودا تنعم في رغد العيش وقمة التطور، كانت هناك عيون تتربص بها، خصوصًا القرطاجيون على الضفة الجنوبية للمتوسط، والإمبراطورية الرومانية شماله. وعلى إثر الصراعات التي عاشتها روما بعد القيصر يوليوس، كانت لها تداعيات مباشرة على الشأن الداخلي لتمودا من الناحية السياسية.
في سنة 33 قبل الميلاد، تحالف القائدان الأمازيغيان باكا وبوخوس، مع مارك أنطونيو وأوكتافيوس فيما سُمي بـ “صراع القناصلة”. وبما أن القائد بوخوص كان حليفًا للحاكم أنطونيو، فقد أغار الفائز في روما على المدينة واندلعت حرب ضارية بينهما، لأن المدينة كانت تحت نفوذ حكم بوكود. أدى هذا الصراع إلى تدمير المدينة وإحراقها لأول مرة.
لكن القدر شاء أن تأبى تمودا الاندثار. عادت بعزيمة وشموخ جبال الريف ومياه وادي مرتيل، اللذان يمنحانها قوة الحياة، لتنهض من جديد. بُنيت وعُمّرت من قبل سكانها وبأيدي أبنائها وبأحجار أنقاضها، فالأمازيغ الأحرار يأبون الاستسلام.

عهد الاستعمار الروماني والدمار الثاني
في سنة 40 ميلادية، تم اغتيال الملك النوميدي بطليموس على يدي الرومان في خضم الصراعات على الحكم مرة أخرى. قرر القائد إيديمون، الذي كان عبدًا لبطليموس، أن يقود ثورة عارمة وفاءً لروح سيده وانتقامًا من المدن التي تحالفت مع القتلة. استهدف إيديمون مدنًا عدة مثل شالة ووليلي وزليل وليكسوس وطنجيس، وطبعًا تمودا التي دُمرت وأُحرقت عن بكرة أبيها للمرة الثانية.
ظلت هذه المنطقة مدمرة ومهجورة لأكثر من 140 سنة. بعدما استطاعت الإمبراطورية الرومانية احتلال بعض المدن على الساحل المغربي، احتاجت إلى إنشاء مراكز عسكرية. وبحكم الموقع الاستراتيجي لتمودا، أُنشئ حصن بأسوار سميكة تتخلله أكثر من عشرين برجًا للمراقبة.
لكن ما لم يكن في الحسبان عند اختيار موقع بناء الحصن هو بُعده عن الأسواق لسد حاجيات ومتطلبات الجنود وتزويدهم بالأسلحة. ونظرًا للحس التجاري لسكان المنطقة، توافد التجار لبيع وشراء السلع، وبدأت تتشكل بعض الأسواق. أدى هذا إلى إحياء المدينة المورية القديمة المدمرة، وبذلك تحولت من معسكر إلى مدينة أمازيغية بتصميم مغربي ذات طابع روماني.

ثورة الأحرار والاندثار الأبدي
بما أن الأمازيغ مرادف الأحرار، فقد أبوا الاستعباد من طرف الغرباء وقاوموا المستعمر لنيل حريتهم. كانت تمودا سبّاقة لطرد الرومان من سواحل المملكة المورية، بعد أن خاضوا ثورة تحرر واستقلال ضد الغزاة المحتلين لأراضيهم.
أدت هذه الثورة إلى تدمير المدينة بالكامل للمرة الثالثة على يد الرومان قبل الرحيل عنها. لكن الرحيل هذه المرة كان رحيلاً أبديًا لتمودا. اندثرت المدينة محلقة في أعالي قمم جبال الريف الشاهدة على أمجاد انجرفت على ضفاف نهر وادي مرتيل.

إن قصة تمودا ليست مجرد سرد لتاريخ مدينة قديمة اندثرت، بل هي تجسيد حي لروح الصمود الأمازيغي وارتباطه الأبدي بجبال الريف ووادي مرتيل. فكل دمار تعرضت له المدينة كان يتبعه نهوض وعمران، مدفوعًا بعزيمة سكانها الأحرار الذين رفضوا الاستسلام للاحتلال الروماني المتكرر. ورغم أن تمودا القديمة قد اختفت فعليًا بعد دمارها الثالث، إلا أن روحها لم تمت.
لقد انتقلت هذه الروح لتتجلى في تطوان الحديثة، “الحمامة البيضاء”، التي ورثت الموقع الاستراتيجي والحس التجاري والتقنيات المعمارية (مثل نظام تصريف المياه) من سابقتها. إن تطوان اليوم هي امتداد حضاري لتمودا، شاهدة على أن الأمجاد لا تندثر بالكامل، بل تتحول وتتجدد في أشكال أخرى. فكل حجر في أسوار تطوان العتيقة، وكل زقاق أندلسي مرصوف، يحمل في طياته صدى حكايات الأمازيغ الأحرار الذين أصروا على الحياة والحرية على ضفاف وادي مرتيل، ليظل تاريخ المنطقة حلقة متصلة من المقاومة والازدهار.

مقالة رائعة! لم أكن أعرف أن تاريخ تطوان يمتد إلى هذه الجذور العميقة. قصة تمودا وصمود الأمازيغ في وجه الدمار المتكرر ملهمة حقًا. الصور المضافة أعطت بُعدًا خياليًا مذهلاً للتاريخ. أنصح الجميع بقراءتها لمعرفة سر الحمامة البيضاء 👌
😍👍
مقالة أكثر من رائعة! 👏
الأسلوب سلس وغني بالمعلومات، يخليك فعلاً تعيشي أحداث تمودا وكأنك وسط التاريخ نفسه. الطريقة اللي ربطتي بها الماضي بالحاضر أعطت للمقال عمق خاص، خصوصًا إبراز روح الصمود الأمازيغي وكيف انتقلت لتطوان الحديثة.
الصور والوصف الدقيق للأحداث زادوا المقال جمالًا، وخلّوه مش مجرد سرد تاريخي، بل رحلة زمنية ممتعة ومفيدة.
بصراحة… استمتعت بكل سطر، واستفدت من تفاصيل ما كنتش نعرفها عن “الحمامة البيضاء”. شكراً على هذا العمل المتقن. 🤍
أحسنت أختي سناء لقد سافرتي بنا في تاريخ مدينتنا بأسلوبك المتميز وجعلتنا نعيش تشويقا فريدا في هذه المدينة
ما شاء الله ، موضوع كيخلي القارئ يشوف تطوان مشي غير مدينة بيضاء… ولكن حكاية آلاف السنين، وصدى حضارات ما زال عايش بين الوادي والجبال.😍
👏🏼👏🏼👏🏼😍😍
قرأت مقالتكم عن تاريخ حمامة البيضاءفي تطوان، واجدها موضوعا شيقا ومهما،حمامة البيبضاء هي رمز من رموز مدينة تطوان، وقد لعبت دورا كبيرا في تاريخ المدينة أشكركم على كتابة هذه المقالة متميزة لما تحمل في طياتها من معلومات مهمة مع صور المرافقة التي سلطت ضوء عل هذا الموضوع أتمنى أن تستمروا في ذلك ،وبتوفيق أيتها المبدعة.
مقال في غاية الروعة بأسلوبه الراقي وصوره التي أظفت رونقا خاصا له؛حيث يربط ماضي تطوان العتيقة بحاضرها عبر رحلات وأحداث مشوقة ويبين امتداد الحمامة البيضاء لحضارة تمودا
وكذا تجسيد الصمود الأمازيغي وعلاقته الوطيدة بجبال الريف وعزيمة سكان تمودا في مواجهة الاستيطان المتكرر الرومان
“مقالة رائعة ومفيدة عن الحمامة البيضاء، لقد استمتعت بقراءتها حقا! لم أكن أعلم أن الحمامة البيضاء ترمز إلى السلام والأمل في العديد من الثقافات، شكرا على توسيع معرفتي! مقالة رائعة،استمري في الكتابة والإبداع!”
مقالة رائعة جدا كتبت بأنامل ذهبية ، سافرت بنا عبر الزمن ،وأعطتنا تشويق أكثر لمعرفة أحداث تطوان القادمة ، نحن ننتظر منك،فلا تبخلي علينا ،المرجو منك الكتابة مرة أخرة بأسلوبك الراق و متابعة تأسيس تطوان وكذالك الأحداث اللتي دارت في محاولت استعمارها مرات عدت والمقاومة من أبطالنا وشهدائنا رحمة الله عليهم .وترك طابع أندلسي والعديد من المسطلحات الإسبانية ،
😍😍👏🏻👏🏻👏🏻
😍😍👏🏻👏🏻
Excellent
مقالة رائعة جدا جدا
ماشاء الله مقالة رائعة 👏🏻
كانة المقالة جميلة جدا
كانت المقالة جميل جدا جدا