إن مدارس الريادة في المغرب حالياً تعرف توسعاً سريعاً في وطننا الحبيب. هناك مؤشرات قوية تدل على نجاحها إلى حد ما، لكنها أيضاً ما زالت تواجه تحديات كثيرة.

مؤشرات إيجابية على نجاح مدارس الريادة
حسب الدراسات أظهرت أن تلاميذ مدارس الريادة حققوا تحسناً ملموساً في التحصيل:
- دراسة تقييمية قامت بها مختبر المغرب للابتكار والتقييم (MEL) أظهرت أن “التلميذ المتوسط” في مدرسة ريادة كان أداؤه أفضل من حوالي 82% من أقرانه في المدارس التقليدية في جميع المواد.
- الأثر كان أكبر خصوصاً في مادتي اللغة الفرنسية والرياضيات، حيث أن هذه المواد كانت الأصعب بالنسبة للتلاميذ.
- في الفرنسية، تجاوز أداء “التلميذ المتوسط” ما كان عليه 90% من تلاميذ المقارنة.
- وفي الرياضيات، تجاوز أداء “التلميذ المتوسط” ما كان عليه نحو 82% من تلاميذ المقارنة.
- في عرض رسمي لنتائج موسم 2023-2024، قالت الوزارة إن معدل التحصيل العام في مواد العربية والفرنسية والرياضيات بلغ 59% في مدارس الريادة، مقابل 37% في عينة المقارنة، بفارق إيجابي قدره 22 نقطة.
- بحسب بعض التقارير الإعلامية والميدانية، المشروع خلال عامين فقط “حقق تقدماً ملموساً” وأن بعض المدارس شهدت تغيير جذري في الفضاءات المدرسية، وتجهيزات، وأساليب تدريس حديثة، مما خلق بيئة تعليمية محفزة.
- التوسيع السريع للمشروع يعكس التزام الدولة بتعميم التجربة، وهو إشارة إلى أن الجهات المسؤولة تعتبرها تجربة ناجحة وتستحق التوسيع.
حقائق وأرقام عن مدارس الريادة
- الانطلاق والتوسع: انطلقت التجربة على نطاق واسع في الموسم 2024/2023، وشملت 626 مدرسة ابتدائية في مرحلتها الأولى.
- التوسع (تقرير 2025): بمرور عامين من التجربة، توسع المشروع ليصبح يشمل ما مجموعه 2626 مدرسة ابتدائية على الصعيد الوطني.
- عدد المستفيدين: يستفيد منها حوالي 1.3 مليون تلميذ.
- التوسيع الثانوي: بالتزامن مع الابتدائي، بدأت تجربة أولية على مستوى التعليم الإعدادي (ما يُسمى إعداديات الريادة) وشملت أول دفعة.
- مكونات المشروع: يشمل المشروع تغييرات شاملة ليس فقط طرق التدريس، بل تكوين الأساتذة، دعم التلاميذ، تنظيم المناهج، وتجهيز فضاءات مدرسية مناسبة.

تحديات وملاحظات وانتقادات
رغم النتائج المبكرة، ما زالت هناك تحديات وملاحظات:
- التحسن “جزئي” وغير دائم: هناك من ينتقد أن التحسن قد لا يكون دائماً أو كافياً، ويعتبرون ما تحقق “جزئياً”.
- تخفيف المنهج: يُنتقد أن المنهج في بعض الحالات خُفّف أو بُسّط ليتناسب مع “متعلمين متعثرين”، ما قد يضر بتفوق المتعلمين العاديين أو المتفوقين.
- نقص الموارد: تشير بعض المدارس إلى نقص في المقررات والكتب المدرسية في مراحل معينة من المشروع، ما قد يؤثر على تكافؤ الفرص بين التلاميذ.
- ضعف التحكم في التعلمات الأساس: كشفت مصادر أن نسب التحكم في “التعلمات الأساس” (أي مدى إتقان التلاميذ) لا تزال دون المستوى المنشود في بعض الحالات (وفق معطيات 2025):
- الفرنسية: لم تتجاوز 26.6%.
- الرياضيات: 41.4%.
- العربية: 54.6%.
- المعدل العام الثلاثي: لم يتخط 40.09%.
- غياب التعميم الفعلي: نبه التقرير الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى أن المشروع لم يحقق “تعميماً فعلياً” لجميع التلاميذ، بمعنى أن ليست كل المدارس أو الفئات مستفيدة بنفس القدر.
- الانقطاع عن الدراسة (الإعدادي): في إعداديات الريادة (التوسيع نحو التعليم الثانوي المتوسط)، سجل 2544 تلميذاً انقطاعاً عن الدراسة في الإعدادي التجريبي (تقرير 2025).
- التفاوت في التطبيق: يذكر بعض الخبراء أن التطبيق يختلف من مدرسة إلى مدرسة، ما يؤدي إلى تفاوت في النتائج.
- ليست حلاً سحرياً: تنبه بعض الأصوات إلى أن المشروع وحده لا يكفي لإصلاح التعليم بشكل شامل، لأن مشاكل أخرى (بنية تحتية، أعداد الأساتذة، ظروف اجتماعية واقتصادية) ما زالت قائمة، ويعتبرون أن “مدارس الريادة” ليست حلاً سحرياً لكل المشاكل.
💡 منهجية التعلم: هرم التعلم (Learning Pyramid)
لتوضيح أهمية التغيير في طرق التدريس، أشار المقال إلى هرم التعلم. وهو نموذج تربوي يوضح نسب الاحتفاظ بالمعلومات حسب طريقة التعلم المستخدمة. الفكرة الأساسية هي أن الإنسان يتذكر أكثر عندما يكون مشاركاً وفاعلاً، وليس مجرد مستمع.

💡 ماذا يعني هذا الهرم للممارسة اليومية؟
إن فهم هرم التعلم ليس مجرد معلومة نظرية، بل هو خارطة طريق أساسية لتحويل الممارسات التعليمية اليومية داخل الفصل وخارجه. يوضح هذا النموذج أن مجرد الاستماع أو القراءة (بنسبة احتفاظ 5% و 10% على التوالي) هما أقل الطرق فعالية لتخزين المعلومات بشكل دائم في الذاكرة. ببساطة، المتعلم لا يكفي أن يسمع أو يقرأ فقط لضمان استيعاب عميق ودائم.
لتحقيق أقصى درجات الفهم والاحتفاظ بالمعلومات، يجب أن ننتقل بالمتعلم إلى مستويات أعلى من المشاركة والنشاط. تبدأ الفعالية في الارتفاع عند السمع والبصر (20%)، حيث تسهم الوسائط المتعددة في ترسيخ الفكرة. لكن القفزة النوعية الحقيقية تحدث عندما ينخرط المتعلم في المناقشة (50%)، فتبادل الأفكار وطرح الأسئلة والإجابة عنها يعزز الفهم ويصقل القدرة على التعبير.
الأثر الأكبر للتعلم يأتي من التطبيق العملي (75%)، حيث يقوم المتعلم بحل التمارين، إجراء التجارب، تنفيذ المشاريع، أو محاكاة مواقف واقعية. هذه الممارسة تحول المعرفة المجردة إلى مهارة ملموسة. وفي قمة الهرم، يأتي تعليم الآخرين (90%)، وهي الطريقة الأكثر فعالية على الإطلاق. عندما يشرح المتعلم ما تعلمه لزميل أو يشرح مفهوماً، فإنه يضطر إلى تنظيم أفكاره، ملء الفجوات في فهمه، وتبسيط المعلومة، مما يرسخها في ذهنه بأقوى شكل ممكن.
لذا، فإن أفضل طريقة للتعلم هي أن يفهم المتعلم، ثم يناقش ما فهمه، ثم يطبق هذه المعرفة عملياً، وأخيراً يشرحها للآخرين. هذا التسلسل النشط يضمن تحويل التعلم من مجرد معلومات عابرة إلى جزء أصيل من فهم المتعلم ومهاراته.

طريق الريادة… رؤية، إنجاز، وتحديات مستمرة
تُعد تجربة “مدارس الريادة” في المغرب خطوة جريئة ومحورية نحو إصلاح نظام التعليم، وتترجم رؤية طموحة لمستقبل أفضل لأجيالنا. لقد أظهرت المؤشرات الأولية تحسناً ملموساً في التحصيل الدراسي بفضل تبني منهجيات تعليمية حديثة، وتجديد الفضاءات، وتركيز على التكوين المستمر للأساتذة. هذه النجاحات المبكرة، والتوسع السريع للمشروع، تعكس إرادة سياسية قوية وإيماناً راسخاً بقدرة هذه المدارس على إحداث الفارق.
ومع ذلك، فإن مسيرة الريادة لا تخلو من التحديات الجوهرية التي تتطلب معالجة شاملة ومستدامة. فالملاحظات حول التفاوت في التطبيق، ونقص الموارد في بعض الأحيان، ومعدلات التحكم في التعلمات الأساس التي ما زالت تحتاج إلى تحسين، كلها تؤكد أن المشروع ليس حلاً سحرياً بحد ذاته. إن إصلاح التعليم هو عملية معقدة ومتشابكة، تتطلب تضافر الجهود من جميع الفاعلين: الوزارة، الأساتذة، أولياء الأمور، والمجتمع المدني.
الاعتماد على منهجيات مثل “هرم التعلم” هو خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعليم يجعل المتعلم محوراً للعملية التعليمية، يشارك ويتفاعل ويطبق ويشرح، بدلاً من التلقين السلبي. لكن لكي تؤتي هذه المنهجيات ثمارها بالكامل، يجب أن تُعالج التحديات الهيكلية والمؤسسية، وأن يُعمّم الدعم والتجهيزات بشكل عادل على جميع المدارس المستفيدة وغير المستفيدة، لضمان تكافؤ الفرص والجودة للجميع.
إن “مدارس الريادة” ليست مجرد مشروع تعليمي، بل هي نموذج طموح يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار التعليم بالمغرب. لكن نجاحها المستدام يتطلب تقييماً مستمراً، ومراجعة دؤوبة، والتزاماً لا يتزعزع بمعالجة نقاط الضعف، لضمان أن تتحول “الريادة” من تجربة واعدة إلى واقع تعليمي مزدهر ومتاح لكل طفل مغربي.
