أمَّة تصنعها القدوات: لماذا نتحدث عن عظماء التاريخ؟

الأمم لا تنهض بالشعارات فقط، بل تصنعها القدوات التي تحوّل الإيمان لقوة حقيقية في الواقع. ومن بين هؤلاء العظماء تبرز امرأة أنصارية شجاعة جمعت بين العلم والبيان والجهاد، هي أسماء بنت يزيد الأنصارية، التي أصبحت نموذجاً ملهِماً للفتيات والأمهات والمربين في كل زمان.

هذا المقال موجّه للآباء والأمهات والمعلمين والمهتمين بالتربية الإسلامية، ولكل من يبحث عن شخصية نسائية مسلمة قوية تقدّم صورة مشرقة عن دور المرأة في بناء المجتمع، مع إجابة عن أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذه الصحابية الجليلة.


"رسم تعبيري لأسماء بنت يزيد الأنصارية وهي تخاطب النبي والصحابة في ساحة المسجد النبوي، تجسيدًا لدورها كخطيبة النساء في صدر الإسلام."

من هي أسماء بنت يزيد الأنصارية؟

  • اسمها: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن عبد الأشهل الأنصارية الأشهلية، وهي ابنة عمة الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه.
  • كُناها: أم سلمة، ويقال أم عامر.
  • نسبها: من نساء الأنصار في المدينة المنورة، من بني عبد الأشهل، وهي من أوائل المؤمنات في المجتمع المدني.

أسلمت في العام الأول من الهجرة على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكانت من أوائل من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصار، واعتزّت بهذا السبق طيلة حياتها.​


لماذا لُقبت بـ “خطيبة النساء”؟

اشتهرت أسماء بنت يزيد بالفصاحة وقوة الحجة، حتى لُقبت بـ”خطيبة النساء”؛ لأنها كانت تجيد التعبير عما يدور في قلوب النساء من تساؤلات وحقوق، وتعرضها أمام النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب مؤدب وقوي في آن واحد.

ومن أشهر مواقفها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تمثل نساء المسلمين، وقالت له –بمعنى كلامها– إن الرجال سبقوهن بالجمع والجهاد وحضور الجمع والجماعات، بينما النساء يقمن بشؤون البيوت والأزواج والأولاد، فسألته عن أجر النساء في ذلك. فبشرها النبي بأن حسن رعاية الزوج والبيت والولد يعدل أجر كثير من أعمال الرجال.

بهذا الموقف صارت أسماء صوتًا واعيًا للمرأة المسلمة، لا تطالب بالخروج عن الفطرة، بل تطلب عدل الميزان بين واجبات المرأة وأجرها عند الله، مما يجعلها قدوة لكل امرأة تريد أن تطلب حقها بأدب وعلم ووضوح.


أدوارها في التربية والإيمان داخل البيت

لم تكن أسماء خطيبة فحسب، بل كانت امرأة مؤمنة عميقة الفهم لدينها، حريصة على السؤال عن دقائق الأحكام الشرعية، تتعلم القرآن والحديث وتبلغه لغيرها.

  • عاشت في بيت أنصاري مجاهد؛ فأبوها وأقاربها من أهل بدر وأحد.
  • روت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقلت جزءًا من سنته إلى التابعين.
  • كانت مثالًا للمرأة المتوازنة بين مسؤولية البيت والاهتمام بالشأن العام للأمة.

هذا النموذج مهم تربويًا؛ لأنه يقدّم للفتاة صورة امرأة لا تنغلق داخل البيت، ولا تذوب في المجتمع على حساب الأسرة، بل تجمع بين العبادة والعلم والتربية وخدمة المجتمع.


"لوحة فنية لمشاركة أسماء بنت يزيد ونساء مسلمات في معركة اليرموك، تحمل عمود الخيمة في مشهد يعبر عن شجاعة المرأة المسلمة في الجهاد."

أسماء المجاهدة: من خيبر إلى اليرموك

حضرت أسماء بنت يزيد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، وكانت تشارك مع النساء في سقاية العطشى وتطبيب الجرحى وخدمة المجاهدين.

ثم بلغ جهادها ذروته في معركة اليرموك في الشام زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث شاركت مع نساء كثيرات في تحفيز الجنود وتضميد الجراح، لكن أسماء تجاوزت ذلك إلى القتال المباشر.

يذكر المؤرخون أنها يوم اليرموك قتلت تسعة من الروم بعمود خيمتها، وكانت زعيمة لنساء المسلمين في تلك المعركة، تضرب أروع الأمثلة في الشجاعة ورباطة الجأش.

هذا المشهد يقدّم للناشئة صورة مختلفة عن المرأة المسلمة: قوية عند الملمات، حاضرة في المواقف المصيرية، تشارك في صناعة التاريخ لا على الهامش بل في قلب الأحداث.


صبرها على البلاء وثباتها على الطريق

تعرضت أسماء للفقد والألم؛ فقد استشهد أقارب لها في سبيل الله، منهم من قُتل في أحد ومعارك أخرى، ومع ذلك بقي قلبها معلّقًا بالآخرة، تنظر للمصائب على أنها طريق الجنة.​

يشير أهل السير إلى أنها عُرفت بقوة الإيمان والصبر على الابتلاء، وأنها ظلّت ثابتة حتى أواخر حياتها، وقد قيل إنها سكنت في الشام بعد اليرموك، وعاشت زمنًا طويلاً حتى توفيت في خلافة عبد الملك بن مروان على الأرجح.

هذه السيرة تعلم أبناءنا أن طريق العظمة ليس طريق الراحة؛ بل هو طريق تضحيات، وأن المؤمن قد يجمع بين الرحمة واللين من جهة، والشجاعة والصبر من جهة أخرى.


مشهد داخلي لأسماء بنت يزيد تجلس مع مجموعة من النساء في المدينة، تستمع إليهن وتدوّن أسئلتهن لتعرضها على النبي صلى الله عليه وسلم

ما الذي يميز أسماء بنت يزيد عن غيرها من الصحابيات؟

  1. أنها جمعت بين ثلاثة أدوار كبرى: الخطابة والبيان، والجهاد في سبيل الله، ونقل العلم والرواية.
  2. أنها مثّلت النساء في المطالبة بحقوقهن الشرعية، مع احترام مكانة الرجل ودور الأسرة.
  3. أنها نموذج لامرأة تصنع التغيير بالكلمة أولاً، ثم بالفعل في ميادين الجهاد والتضحية.

لذلك تعدّ من “عظماء التاريخ” في جانبها النسائي الإسلامي، وتقديمها للأطفال والفتيات اليوم كقدوة حقيقية يساعد في بناء شخصية متوازنة، تعتز بدينها وهويتها وتدرك أن للمرأة أدوارًا راسخة في نهضة الأمة.


أسئلة شائعة حول أسماء بنت يزيد الأنصارية

من هي أسماء بنت يزيد باختصار؟

هي صحابية أنصارية جليلة من بني عبد الأشهل، أسلمت مبكرة، وبايعت النبي، واشتهرت بفصاحتها حتى لقبت بخطيبة النساء، وشاركت في غزوات، منها خيبر واليرموك.

لماذا سميت “خطيبة النساء”؟

لأنها كانت تتحدث أمام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلةً لنساء المسلمين، تسأل عن حقوقهن وأجر أعمالهن، وتعرض قضايا المرأة بأسلوب قوي واضح، مع احترام الأدب النبوي.

هل شاركت أسماء بنت يزيد في القتال فعلًا؟

نعم، شاركت في معركة اليرموك في الشام، وتذكر المصادر أنها قتلت تسعة من جنود الروم بعمود خيمتها، وكانت زعيمة لنساء المسلمين في تلك المعركة.

ما الدروس التربوية التي نستفيدها من سيرتها؟
  • قوة الكلمة: تعلمنا أن الحوار وطرح الأسئلة وسيلة فعالة لتصحيح المفاهيم.
  • التوازن: إمكانية الجمع بين مسؤوليات البيت وخدمة الأمة.
  • الشجاعة: الجرأة في قول الحق، والثبات عند الشدائد.
هل تعتبر قدوة مناسبة للفتيات اليوم؟

نعم، فهي نموذج لامرأة مسلمة واثقة من نفسها، معتزة بدينها، لا تقبل الظلم، وفي الوقت نفسه تحترم الضوابط الشرعية ودور الأسرة، ما يجعلها قدوة تربوية راقية في زمن كثرت فيه النماذج السطحية.


معلمة مسلمة في فصل دراسي حديث تعرض سيرة أسماء بنت يزيد على شاشة عرض أمام طالبات، لربط قدوات الصحابيات بتربية الجيل الجديد

كيف نستثمر سيرة أسماء في التربية والتعليم والأعمال الخيرية؟

  1. سرد قصتها للأطفال بأسلوب قصصي بسيط، يبرز شجاعتها وحوارها مع النبي حول أجر النساء.
  2. تنظيم حلقات نقاش للفتيات حول معنى أن تكوني “خطيبة حق” داخل أسرتك ومدرستك ومجتمعك، بالكلمة الطيبة لا بالصدام.
  3. إدراج سيرتها ضمن مناهج التربية الإسلامية والبرامج الدعوية النسائية، لتصحيح صورة المرأة المسلمة في الإعلام المعاصر.
  4. استلهام شجاعتها في الأعمال الخيرية؛ فالمرأة تستطيع أن تقود مبادرات لخدمة الفقراء والأيتام وتعليم الصغار، تمامًا كما قادت نساء المسلمين يوم اليرموك.

خاتمة: أسماء بنت يزيد.. قدوة خالدة بين عظماء التاريخ الإسلامي

في ختام الحديث عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ندرك أننا أمام صفحة مضيئة من تاريخ المرأة المسلمة، ليست مجرد قصة تُروى، بل مدرسة تربية متكاملة في الإيمان والوعي والشجاعة والاتزان. فقد جمعت هذه الصحابية الجليلة بين قوة الكلمة في مواقفها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجرأة السؤال عن حقوق النساء وأجرهن، وبين قوة الفعل في مشاركتها في ميادين الجهاد من الخندق وخيبر إلى اليرموك، حيث سطّرت مثالًا عمليًا لدور المرأة في نصرة دينها والمشاركة في صناعة أحداث أمتها.

تعلمنا سيرة أسماء أن الطريق إلى العظمة يبدأ من الداخل؛ من قلب مؤمن صادق لا يخجل من طلب العلم، ولا يخاف من قول الحق، ولا يتراجع عن خدمة مجتمعه بحسب طاقته، فكانت بحق “خطيبة النساء” و”رسول النساء إلى النبي” كما وصفها أهل العلم، تنقل أسئلة أخواتها وتعود إليهن بالأجوبة التي تهديهن في عبادتهن وحياتهن اليومية. هذه الروح الواعية تجعل منها نموذجًا مثاليًا لبناتنا اليوم؛ فتاة أو امرأة تعرف ما لها وما عليها، وتوازن بين واجبات البيت ورسالتها في المجتمع، دون إفراط ولا تفريط.

وعندما ننظر إلى قصتها بعين المربي والمعلم والعامل في ميادين الخير، نجد فيها رصيدًا تربويًا ثريًا يمكن توظيفه في المناهج والأنشطة المدرسية، والدروس الوعظية، والبرامج الموجهة للفتيات والأمهات، لتأكيد أن الإسلام لم يحصر المرأة في زاوية ضيقة، بل فتح لها أبواب العلم والجهاد وخدمة الناس، مع حفظ خصائصها الفطرية ومكانتها في الأسرة. إن إعادة تقديم مثل هذه النماذج عبر المنصات التعليمية والخيرية يعيد للجيل ثقته بهويته الإسلامية، ويقدّم للفتاة نموذجًا واقعيًا أصيلًا يغنيها عن النماذج السطحية التي تلمّعها بعض وسائل الإعلام.

هكذا تبقى أسماء بنت يزيد الأنصارية قدوة حية: تذكّر الرجال والنساء معًا بأن بناء الأمم لا يكون بنصف المجتمع فقط، بل بتكامل الأدوار، وأن كل كلمة صادقة، وكل سؤال مخلص، وكل خطوة في طريق العلم أو الجهاد أو التربية، يمكن أن تحجز لصاحبها مكانًا بين عظماء التاريخ إذا أخلص النية لله وسار على منهاجه.


2 تعليقات

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *