كل واحد فينا يمرّ بلحظات يحس فيها أنه نازل من الداخل، مثقل بالخوف أو الحزن أو الغضب، وأحيانًا أخرى يعيش حالة هدوء وحب وسلام بدون سبب واضح. هذه الحركة الدائمة بين الأعلى والأسفل في مشاعرنا ووعينا حاول بعض المفكرين وصفها بنموذج يسمّى «سلّم الوعي»؛ ليس كقانون علمي صارم، بل كخريطة إنسانية تساعدنا نفهم أنفسنا أكثر ونرى أين نقف اليوم وإلى أين يمكن أن نتحرك غدًا.

ما فكرة «سلّم الوعي» ببساطة؟
فكرة هذا السلّم بسيطة: في أسفله مشاعر ثقيلة تخنقنا مثل الخزي والذنب والحزن والخوف، وفي منتصفه مشاعر انتقالية فيها طاقة لكنها مشوشة أحيانًا، مثل الرغبة والغضب والكبرياء، ثم تبدأ منطقة التحوّل عند الشجاعة، لنصعد بعدها نحو القبول والفهم والحب والفرح والسلام الداخلي. المهم هنا ليس الأرقام أو المصطلحات، بل أن ندرك أننا لا نُختزل في شعور واحد، وأننا لسنا محكومين بالبقاء في نفس الحالة، بل نستطيع الصعود درجة درجة.
ع السلّم: الخزي والذنب
في أسفل السلّم تقريبًا يوجد الخزي؛ تلك الحالة التي يشعر فيها الإنسان أن «هو نفسه» المشكلة، لا سلوكه فقط. يحسّ أنه غير مستحق، أن وجوده عبء، فيختبئ من الناس ومن ذاته. هذا شعور قاسٍ جدًّا، لكنه ليس قدرًا نهائيًا، بل نقطة مؤلمة تحتاج أن تُرى وتُحتوى برحمة بدل مزيد من القسوة. بعده يأتي الذنب، وهنا يبدأ التمييز بين «أنا سيّئ» و«لقد فعلت شيئًا سيئًا». الذنب الصادق رغم ألمه يمكن أن يكون بداية طريق صحيح، لأنه يوقظ الضمير ويدفع الإنسان إلى الاعتذار والتصحيح، ما لم يتحول إلى جلد ذات مستمر يطفئ الأمل.

ثقل الحزن وقلق الخوف
بعد الخزي والذنب، يظهر الحزن والخوف كطبقتين ثقيلتين على القلب. في الحزن، تشعر أن شيئًا مهمًّا ناقص في حياتك، حتى لو لم تعرف اسمه بالضبط؛ تبكي كثيرًا وتميل للعزلة، لكن في عمق هذا الألم يولد سؤال صادق: ماذا ينقصني حقًا؟ هذا السؤال قد يكون بدايات البحث عن معنى أعمق لحياتك وعلاقتك بنفسك وبالله. الخوف يتجلى في صور كثيرة: خوف من الفقر، من المرض، من الفشل، من المستقبل، من نظرة الناس. الخوف شعور طبيعي يحميك أحيانًا، لكنه إذا سيطر عليك يشلّ حركتك ويضخّم الأخطار في رأسك ويسرق منك القدرة على الاستمتاع بالحاضر. هنا تحتاج إلى تحصين إيماني بالتوكل والدعاء والثقة برحمة الله، وتحرك عملي بالتخطيط والعمل وتعلّم ما يحميك من الاحتمالات الصعبة.
طاقة الرغبة والغضب والكبرياء
في منتصف السلّم تقريبًا نجد الرغبة والغضب والكبرياء كطاقات مشوَّشة لكنها مهمة. في الرغبة، تتحول الحياة إلى مطاردة دائمة لشيء خارجي: مال، إنجاز، إعجاب، امتلاك؛ الرغبة في أصلها طاقة حركة، لكنها حين تتحول إلى إدمان تتركك في إحساس دائم بالنقص وكأن سعادتك معلّقة في شيء لم تحصل عليه بعد. الغضب من جانبه يمكن أن يكون تدميرًا إذا خرج في شكل حقد وعنف، ويمكن أن يكون بداية تغيير إذا تحوّل إلى قرار «لا أقبل بعد اليوم بهذا الظلم أو بهذا النمط المؤذي في حياتي». الكبرياء يعطي شعورًا زائفًا بالقوة حين يهمس لك «أنا أفضل، أنا أعرف أكثر»، لكنه في العمق يخنق روحك؛ لأن الإنسان المتكبر يغلق باب التعلّم ويفقد القدرة على الاعتراف بخطئه، فيتوقف نموه الداخلي رغم أنه يبدو قويًا من الخارج.

الشجاعة: بداية الصعود الحقيقي
نقطة التحوّل الحقيقية على هذا السلّم هي الشجاعة. الشجاعة ليست غياب الخوف، بل قرار بالحركة رغم وجوده. هي اللحظة التي تقول فيها لنفسك: كفى هروبًا، كفى لومًا للآخرين فقط، كفى انتظارًا أن يتغير العالم دون أن أتحرك. في هذه المرحلة تبدأ في طلب المساعدة دون خجل، ومواجهة بعض الحقائق المؤلمة عن نفسك بنية الإصلاح لا بنية جلد الذات، وتجربة خطوات صغيرة خارج منطقة الراحة. من هنا يبدأ التغيير الفعلي في حياتك، ليس بقفزة سحرية، بل بسلسلة من القرارات الصغيرة المتواصلة.
نضج الحياد والقبول والفهم
بعد الشجاعة يأتي نضج داخلي هادئ يظهر في الحياد والقبول والفهم. في الحياد، ترى الأشياء كما هي دون تهويل ولا إنكار، لا تبالغ في كراهية أحد ولا في التعلق المرضي بأحد، وتميل إلى الصمت الواعي والتأمل والامتنان على النعم الصغيرة. القبول يعني أن تعترف بأن ما حدث لك قد حدث بالفعل، وأنك لا تريد أن تعيش أسيرًا للماضي إلى الأبد؛ تسامح نفسك على أخطائك بقدر استطاعتك، وتتوقف عن إعادة نفس القصص المؤلمة في رأسك كل يوم، وتبدأ في بناء واقع جديد مما بين يديك الآن. الفهم هو حب المعرفة عن نفسك وعن الحياة: لماذا أكرر نفس الأخطاء؟ ما الأنماط التي تعيقني؟ كيف أستطيع أن أغيّر طريقة تفاعلي مع العالم؟ هنا يصبح التحليل أداة مفيدة بشرط ألا يتحول إلى هروب من الفعل أو تعقيد زائد للحياة.

مناطق الحب والفرح والسلام
في الطبقات الأعلى نجد الحب والفرح والسلام. الحب هنا ليس رومانسية مؤقتة، بل حالة أوسع: أن ترى الإنسان خلف الخطأ، أن تحب لله، أن تسامح بقدر طاقتك دون أن تسمح للآخرين بأن يدمروك، وأن تدعو للناس بالخير حتى وإن اختلفت معهم. وجودك في هذا المستوى يخفف توتر من حولك لأن قلبك لا يحمل كراهية ثقيلة. الفرح هو القدرة على رؤية النعمة في تفاصيل بسيطة: في كوب ماء، في كلمة طيبة، في لحظة سكون، حتى في دروس الألم عندما تتحول إلى حكمة. السلام هو سكينة مع نفسك ومع الله؛ لا يعني أن مشاكلك اختفت، بل أنك لم تعد تتكسّر من الداخل كلما هبّت رياح جديدة، تعمل وتأخذ بالأسباب، لكن قلبك مطمئن أن الأمر كله بيد الله، وأنك لست وحدك مهما تعثّرت.
كيف نتعامل مع هذا السلّم في حياتنا؟
هذه الخريطة ليست لتضعك في خانة جامدة أو لتضيف رقمًا جديدًا تقلق بشأنه، بل لتكون مرآة لطيفة تنظر فيها إلى قلبك. اسأل نفسك بهدوء: أين أقف غالبًا هذه الأيام؟ أقرب إلى الخزي أم الذنب أم الحزن أم الخوف؟ أم أني بدأت أتحرك نحو الشجاعة والقبول والحب؟ اسمح لنفسك بالاعتراف دون جلد؛ أنت لست ضعيفًا لأنك خائف أو حزين، أنت إنسان، والفرق الحقيقي ليس في أنك لا تسقط، بل في أنك لا تختار البقاء في الأرض كل مرة. اختر خطوة عملية صغيرة إلى الأعلى: ربما أن تسمح لنفسك بأن تبكي بدل أن تكتم، أو تقول «لا» لأول مرة لما يؤذيك، أو تطلب مساعدة متخصّص، أو تبدأ عادة صغيرة تغيّر بها مسار يومك. نحن نصعد ونهبط على هذا السلّم طوال عمرنا، لكن المهم أن يكون اتجاهنا العام نحو مزيد من الشجاعة، ومزيد من القبول، ومزيد من الحب والسلام مع أنفسنا ومع من حولنا.

أصبحت طبيب نفسي ومتخصص إجتماعي أخي أخريف